توقيت القاهرة المحلي 21:45:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يوسف شاهين .. بين التمرد وعبقرية الإبداع

  مصر اليوم -

يوسف شاهين  بين التمرد وعبقرية الإبداع

بقلم:فاروق جويدة

 عرفت يوسف شاهين، ولم نكن أصدقاء، ولكنه كان أقرب الناس إلى يوسف فرنسيس، وكنا نلتقى معا، ويوما قررنا الاحتفال بذكرى ميلاده، واتصلت به وقلت إن الأهرام يريد تكريمك فى حفل يليق بك.. قال: «أنا موافق ولكن عندى شرط، أن يحضر الأستاذ هيكل ويتحدث عنى». كان الأستاذ هيكل قد ترك الأهرام، وقلت له: «الأستاذ هيكل لم يعد فى الأهرام».. حاولت أن أقنعه من خلال علاقته مع يوسف فرنسيس، وتم اللقاء..

ـــ تمر مائة عام كاملة على ميلاد الفنان يوسف شاهين، ولا يزال هذا الاسم يثير من الجدل ما لا يثيره مخرج آخر فى تاريخ السينما العربية. إن يوسف شاهين لم يكن مجرد تقنى يجيد تحريك الكاميرا خلف القضبان أو داخل البلاتوهات، بل كان مفكرا سياسيا، وفيلسوفا بصريا، ومتمردا أبديا، استطاع أن يخرج بالسينما المصرية من حيزها الإقليمى الضيق، ليضعها فى قلب المحافل الدولية، متسلحاً برؤية فنية لا تساوم، وجرأة بلغت حد الصدام المباشر مع التابوهات الكبرى فى المجتمع..

ــــ بدأت رحلة يوسف شاهين عقب عودته من دراسة السينما بالولايات المتحدة مطلع الخمسينيات، حيث قدم فيلمه الأول «بابا أمين» وهو فى الرابعة والعشرين من عمره، مستخدما تقنيات فانتازية كانت سابقة لعصرها. لكن الانعطافة الكبرى التى شكلت ملامح عبقريته كانت فى فيلم «باب الحديد»، فى هذا العمل، لم يكتفِ شاهين بالإخراج، بل جسد شخصية «قناوي» المحروم عاطفياً، مقدماً تشريحا نفسيا مذهلا للمهمشين فى قلب محطة مصر. ومنذ تلك اللحظة، عرف الجميع أنهم أمام مخرج يمتلك «عيناً» تختلف عن الآخرين؛ عيناً تكتشف المواهب، كما فعل حين قدم الشاب «ميشيل شلهوب» فى فيلم «صراع فى الوادى»، ليصنع منه الأسطورة العالمية (عمر الشريف)..

ــــ ومع مرور السنوات، تحول شاهين إلى ما يمكن تسميته بـ «مؤرخ الوجدان المصري». لم يكن يصور أفلاما لمجرد الترفيه، بل كان يصور تحولات الوطن وانكساراته.. فى فيلم «الأرض» قدم ملحمة خالدة عن علاقة الإنسان بالأرض، حيث تحولت صورة الفلاح «محمد أبو سويلم» وهو يغرس أصابعه فى الطين، بينما تسحله الخيول، إلى أيقونة بصرية تلخص معنى الكرامة.. ثم جاء فيلم «العصفور» ليكون صرخة مدوية فى وجه الهزيمة، حيث ربط بعبقرية بين الفساد الداخلى والتراجع السياسى، وفى هذا الفيلم ولدت شخصية «بهية» التى صارت رمزا لمصر الصامدة، وصار صوت الشيخ إمام يغنى «مصر ياما يا بهية» كنشيد للحرية..

ـــ أما فيلم الناصر صلاح الدين، فكان واحدًا من أعظم الأعمال فى تاريخ السينما العربية، ليس فقط بسبب موضوعه التاريخى، بل بفضل الرؤية الإخراجية العبقرية، حيث استطاع أن يحوّل حدثًا تاريخيًا إلى ملحمة إنسانية وسينمائية مازالت حاضرة فى وجدان المشاهد العربى حتى اليوم.. والفيلم تناول شخصية القائد صلاح الدين الأيوبى وصراعه مع الصليبيين، فى إطار درامى يمزج بين السياسة والحرب والإنسانية، لكنه تميّز قبل كل شيء بأسلوب إخراجى غير مسبوق فى السينما المصرية آنذاك.. فقد اعتمد يوسف شاهين على مشاهد ضخمة للمعارك، استخدم فيها آلاف المجاميع، وصوّرها بحركة كاميرا واسعة تعطى إحساسًا حقيقيًا بضخامة الحدث، فى وقت كانت الإمكانات التقنية محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم.. عبقرية شاهين ظهرت أيضًا فى قدرته على تقديم الشخصيات بصورة إنسانية، فلم يجعل الفيلم مجرد حكاية انتصار عسكرى، بل قدّم رؤية تدعو للتسامح واحترام الإنسان، حتى فى زمن الحروب. لذلك بدت شخصية صلاح الدين قائدًا قويًا وعادلًا فى الوقت نفسه، وهى معالجة فنية رفعت الفيلم من مستوى السرد التاريخى إلى مستوى الرسالة الإنسانية... وبعد مرور أكثر من ستين عامًا، مازال الناصر صلاح الدين يُعرض ويُناقش بوصفه نموذجًا نادرًا لسينما تجمع بين الفن والملحمة والتاريخ، ويظل شاهدًا على قدرة الإخراج السينمائى حين يتجاوز حدود الحكاية، ليصنع عملًا خالدًا فى ذاكرة الأجيال..

ــ انتقل يوسف شاهين بعد ذلك إلى مرحلة هى الأكثر جرأة فى مسيرته، وهى مرحلة «السينما الذاتية» وقرر أن يجعل من نفسه ومن صراعاته الداخلية مادة للعرض فى رباعيته الشهيرة التى بدأت بفيلم «إسكندرية ليه؟».. فى هذه الأفلام، خلع شاهين قناع المخرج ليواجه جمهوره بعيوبه وأحلامه وهوسه بالفن، بل حتى بمواقفه السياسية المتقلبة.. كان يرى أن الصدق المطلق مع النفس هو الطريق الوحيد للوصول إلى العالمية، وبالفعل، كانت هذه الأفلام هى جواز سفره لحصد جوائز مهرجانات «برلين وكان وفينيسيا»، حيث أدرك العالم أن السينما المصرية قادرة على تقديم تجارب (المخرج المؤلف) تضاهى كبار المخرجين الأوروبيين..

ــــ ومع تصاعد موجات التطرف الفكرى، لم يقف شاهين متفرجا، بل اختار أن يستدعى التاريخ ليحارب ظلام الحاضر.. قدم فيلم «المصير»، مستعرضا قصة ابن رشد. لم يكن الفيلم مجرد عمل تاريخى، بل كان «بيان تفتيح عقول» ضد القمع الفكرى، وأطلق من خلاله جملته الشهيرة: «الأفكار لها أجنحة، لا أحد يستطيع أن يمنعها من الطيران»..وبسبب هذا الفيلم ورسالته الإنسانية، منحته إدارة مهرجان كان جائزة «اليوبيل الذهبي» عن مجمل أعماله، وهو تكريم لم يسبقه إليه أى مخرج عربى.

لم يتوقف شاهين عن «المشاغبة» حتى فى سنواته الأخيرة، فقدم فيلم «الآخر»، ليناقش صراع الحضارات، ثم اختتم مسيرته بفيلم «هى فوضي»، حيث كان هذا الفيلم بمثابة وصية أخيرة وجرس إنذار اجتماعى، تنبأ فيه بوضوح بوقوع انتفاضة شعبية ضد القهر والفساد الإدارى.

ــــ كانت وزارة الثقافة قد شكلت لجنة لقراءة سيناريوهات الافلام، وكنت عضوا فيها، وبدأت أقرأ ما أرسلته اللجنة، وكان منها سيناريو «المهاجر»، واكتشفت أن يوسف كاتب السيناريو، ولم أفهم شيئا، واتصلت به وقلت إن لغة الفيلم غير مفهومة، ولم أفهم شيئا، وغضب شاهين، وكنت أرى أنه مخرج عبقرى، ولكنه كان متأثرا فى لغته بمدارس الحداثة فى الغرب..

ـــ كنت أحب أفلامه مثل صلاح الدين، وأنت حبيبى، وباب الحديد، وعودة الابن الضال، وهى فوضى مع تلميذه النجيب خالد يوسف، وكان صاحب مدرسة فى الإخراج، اختلفت عن كل رفاق مشواره الطويل، وقد لقى اهتماما كبيرا فى فرنسا، ووصل إلى مستوى العالمية فى مهرجانات السينما، وحقق فيها حضورا ونجاحا كبيرا.. وكان يوسف شاهين مغرما بالتاريخ الفرعونى وقصص الأنبياء، حيث ربط البعض بين سيدنا يوسف عليه السلام وفيلم المهاجر، ولا شك أن الأرض وصلاح الدين من أهم إبداعات يوسف شاهين، وقد حقق من خلالهما سمعة عالمية، وأصبحا من تراث السينما المصرية فى عصرها الذهبى، وبقى يوسف شاهين إحدى العلامات المضيئة فى تاريخ الإبداع المصرى..

ــــ رحل يوسف شاهين تاركاً خلفه مدرسة فنية لا تعترف بالقيود.. فهو ليس وجهًا عابرًا فى مسيرة الفن المصرى، ولكنه كان رائدًا من رواده الكبار إبداعًا وتجديدًا وقيمة، وقد تنقّل فى دهاليز الإخراج السينمائى وتنوّعت أعماله واختلفت رؤاه، ولكنه كان فنانًا يدرك معنى الحرية والمسئولية تجاه الوطن حتى لو أثار حوله غبارًا كثيفًا.. التقينا مرات قليلة فى صحبة الفنان يوسف فرنسيس وبقيت صورة يوسف شاهين فى خيالى وهو يتنقّل بين إسكندرية ليه وأنت حبيبى إلى الأرض، وصلاح الدين، وكل هذا التاريخ الحافل فى مسيرة فنان كبير..

..ويبقى الشعر

لا تنتظرْ أحدا..

فلن يَأتى أحَدْ

لم يَبقَ شَيءٌ غيرَ صَوتِ الريّح ِ

والسَّيفِ الكـَسيح..

ووَجْهِ حُلم ٍ يَرتعد

الفارسُ المخدوع ألقى تاجَهُ

وَسْط الرّياح ْ.. وعَادَ يَجْرى خائِفا

وَاليَأسُ بالقلـْبِ الكـَسِـير قـَد اسْـتبَدْ

صُورٌ عَـلـَى الجْدران ترصُدُها العُيونُ

وكلـَّما اقـْتربَتْ.. تـُطلُّ وتـَبتـَعِدْ

قـَدْ عادَ يَذكرُ وجهَهُ

والعَزمُ فى عَيْنيهِ

والأمجادُ بَيْنَ يديـِه

والتـَّاريخُ فى صَمتٍ سَجدْ

◙    ◙     ◙

الفـَارسُ المخْدوعُ فى ليل الشـّـتاءِ

يَدورُ مذعُورا..

يفتـّشُ عَنْ سَندْ

يَسْرى الصَّقيعُ عَلـَى وُجُوهِ النـَّاس ِ

تنـُبتُ وحشة فى القـَلـْبِ..

يفزعُ كـُلُّ شَيء فى الجسَدْ

فِى ليْلةٍ شتـْويَّةِ الأشبَاح ِ

عَاد الفـَارسُ المخْدوعُ منكـَسِرا

يَجرُّ جَوادَهُ

جُثــَثُ اللـَّيـالِى حَوْلـَه

غيَر النـَّدامةِ مَا حَصدْ

تَركَ الخيـُولَ تفـِرٌّ مِنْ فرسَانِها

كانت خـُيولكَ ذاتَ يَوم ٍ..

كالنـُّجوم بـِلا عَددْ

أسرَفتَ فِى البَيع الرَّخيص ِ

وَجـِئتَ تـَرجُو مِنْ أعاديـِكَ المَدَدْ!

بـَاعُوك فى هَذا المزَاد..

فكيفَ تسْمعُ زَيفَ جَلادٍ وَعَدْ؟!

◙    ◙     ◙

الفـَارسُ المخدوع ُ ألقـَى رأسَهُ

فوقَ الجدَار

وكلُّ شَيءٍ فِى جَوانِحهِ هَمدْ

هَربتْ خيولكَ من صَقيع اليَـأسِ

فالشـُّطآنُ حاصَرَها الزَّبدْ

لا شيءَ للفِرْسان ِ يَبْقـَي

حِينَ تنكـَسِرُ الخُيولُ

سِوَى البَريق ِالمرتـَعِدْ

وعَـلى امْـتدادِ الأفـْق تـَنتـَحبُ المآذنُ..

والكـَنائسُ.. والقِبَابُ..

وصَوْتُ مَسجُونِ سَجدْ

هَذِى الخُيولُ تـَرهَّـلتْ

ومواكبُ الفرْسان ينقـُصُهَا

مَعَ الطـُّهرِ.. الجَلـَدْ.

هَذا الزمَانُ تعفـَّنتْ فيهِ الرُّءوسُ

وكـُلُّ شَيءٍ فى ضَمائِرها فسَدْ

إنْ كانَ هَذا العَصْر

قدْ قطعَ الأيادِيَ والرّقابَ

فكيفَ تأمنُ سُخط برْكان خَمَدْ

◙    ◙     ◙

هَذِى الخُيولُ العَاجـِزَة ْ

لنْ تـَستـَطيعَ الرَّكضَ..

فى قمَم الجبَال..

وَكـَلُّ ما فِى الأفـْق أمطارٌ.. ورَعْدْ

مَاذا سَيْبقى للجَوادِ إذا تـَهاوَي

غيرَ أنْ يرْتاحَ فى كفـَن.. ولـَحْدْ؟!

الفارسُ المكـْسورُ ينظرُ

والسَّماءُ تطلُّ فى غـَضَبٍ

وَبينَ دمُوعِها..

تخـْبُو مَواثيقٌ.. وعَهْدْ

خَدوعُكَ فى هَذا المزادِ

ظننتَ أنَّ السُّمَّ شـَهدْ

قتلوكَ فى الأمس القريبِ

فكيْفَ تسألُ قاتليكَ

بأنْ تموتَ بحبْـل وُدْ؟!

قدْ كـُنتَ يَوما..

لا ترى للحُـلم ِ حدا أيَّ حَدْ

والآن حَاصرَكَ المرَابـِي

فى المزَاد بألفِ وَغدْ

هَذا المرَابي..

سَوْفَ يُخلفُ كلَّ يوم ألفَ وَعدْ.

لا تحزَنِى أمَّ المدَائِن .. لا تـَخـَافِي

سَوْفَ يُولدُ مِن رمَاد اليوْم غـَدْ

فغدًا ستنبتُ بينَ أطـْلال الحُطامِ..

ظلالَ بُستـُانٍ .. ووَردْ.

وغدًا سيخْرجُ من لظى هَذا الرُّكام ِ

صَهيلُ فرسَان.. ومَجْدْ

◙    ◙     ◙

الفارسُ المكسُورُ

ينتظرُ النـّهاية فى جَـلدْ

عَينـَان زَائغتـَان..

وَجْهٌ شَاحِبٌ..

وبَريقُ حُلم ٍ فى مآقِيهِ جَمَدْ.

لا تنتظِرْ أحَدا..

فلنْ يَأتِى أحد

فالآنَ حاصَرَكَ الجلِيدُ.. إلى الأبدْ

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يوسف شاهين  بين التمرد وعبقرية الإبداع يوسف شاهين  بين التمرد وعبقرية الإبداع



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 08:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 08:47 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الطريق إلى الجحيم والقمر

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

متى نرى الهدوء يغمر المنطقة؟

GMT 08:41 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 08:38 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

قادة الرأى

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt