عشنا زمنًا أقل ما يوصف به أنه كان زمنًا جميلًا، كان جميلًا فى ناسه، مترفعًا فى أخلاقه، منصفًا للقيمة، عادلًا فى فرص الحياة.. هذا الزمان كان يعرف شيئًا يُسمى الانتماء، ويعطى القدرات حقها من الأضواء والبريق .. كانت العلاقات بين الناس فيها الكثير من دفء المشاعر، وكانت الأحلام حقًا مشروعًا، وكانت للأخلاق حدود لا يتجاوزها أحد، ولا تجور عليها سلوكيات مريضة وتجاوزات فجة..
ـــــ فى موكب الأحلام كان حقًا للإنسان أن يحلم وأن يختار المكانة التى يستحقها، ولم يكن للأحلام عوائق تحد منها أو تغير مسارها، ولكن الشيء الغريب أن سفينة الأحلام لم تعد كما كانت، لم تعد قادرة على أن تسبح فى عمق البحار، ورست على الشاطئ، وأصبح الحلم عبئًا ثقيلًا حتى تخلى الناس عن أحلامهم.. أصعب الأشياء أن يتعثر الحلم فى قلب صاحبه ويصبح شبحًا يطارده فى نومه..
ــــ فى شبابنا كنا نرعى حدائق الأحلام حتى تكبر، وكانت الحياة سخية فى عطائها وعدالتها. أصعب الأشياء على الحلم أن تغيب العدالة وتجد حولك تلال الضحايا الذين عاشوا بأحلام شاحبة مكسورة. والشباب أجمل فترات الحلم، فيه القدرة والعنفوان وحب الحياة، وحين يفلس رصيد الأحلام تجد حولك حشود الضحايا الذين خذلتهم أحلامهم.. ولابد أن أعترف بأن زمن الأحلام أصبح بخيلًا، إذا حلمت بالإصلاح وجدت من يحطم جدران المعبد، وإذا حلمت بالإنسان وجدت حولك وجوهًا عابسة، وإذا حلمت بأن تكون حرًا رصدتك طيور شرسة.. كنت أرى بريق الأحلام فى عيون شباب فقد القدرة على الكلام فانزوى وصمت.
ــــ لا أتصور الحلم بلا خيال، إن جناح الطائر المكسور لا يمكن أن يحلق فى السماء، والخيال هو الجناح الذى تجهده الأحلام المكسورة، وحين يخبو بريق الحلم يتلاشى عن العين الخيال، وإذا غاب الخيال هربت الأحلام، وأصعب الأشياء أن يفقد الإنسان الحلم والخيال معًا.. إنه يفتح ألف باب لحشود القبح التى تحاصره من كل جانب، إن الطائر لا يحلق ولا يغني، والأشجار تصبح وجوهًا مشوهة، والإنسان يفقد القدرة على أن يبدع، بل إنه يفقد القدرة على التعامل مع الأشياء والبشر، وهنا تواجه الحياة أشباحًا تحمل من البشر الأسماء.
ــــ حين سقط الحلم تراجعت الإرادة وغاب العدل، وسيطرت خفافيش الظلام، وحين غاب الحلم سقطت منظومة الخيال وفقدت العصافير قدرتها على الغناء، وكان الجمال آخر الضحايا، وتحولت الحديقة إلى أطلال من البشر. فى هذا الواقع الذى انتشرت فيه أطلال كل شيء فسد الغناء، وخرجت علينا حشود من الأصوات القبيحة والكلمات الرديئة.. وحين غاب الخيال صغرت الأشياء فى عيوننا، وفقدت القصور شموخها، وساءت لغة الحوار بين الناس حين يخاطب الابن أباه أو يطرد الزوج رفيقة عمره، وتسيل دماء بريئة تغطى الشوارع من الضحايا. وفى آخر الحكاية يموت الجمال، تنتشر فى الشوارع لغة غريبة وكلام ساقطً، ويتباكى الناس على زمن الغناء الجميل والحوار الراقى والجمال الذى كان يعانق الطيور والبيوت والشجر، وتصرخ فى الأفق أعناق الشجر، ويصبح الجمال ضيفًا عزيزًا حين تختفى البيوت وتظهر أشباح تسد ضوء الشمس وعشاق القمر.
ــــ هنا يفقد الإنسان شيئًا عزيزًا لا يُعوّض، البعض يسميه الذوق العام أى طبيعة البشر، والبعض يراه الحياة حين تفقد البريق. وفى آخر المشوار يصحو الإنسان على حقيقة مؤلمة أن الأحلام غابت والخيال سافر والجمال اختفي، ويقولون إنه أذواق الناس التى فسدت وغيرت وجه الحياة والأشياء والبشر، والحل عندى أن نطلق أسراب الحلم ونفتح نوافذ الخيال ونعود كما كنا يومًا عشاقًا للجمال ونحيى أذواق الناس.
ــــ قد يبدو الحديث عن الأحلام والخيال والجمال وأذواق الناس نوعًا من الرفاهية أمام قصص المعاناة والقتل والجرائم التى تحيط بنا، ولكن حين يفقد الإنسان الحلم يفقد الرغبة ويفقد الإرادة ويكون الفشل نهايته. وحين تظلم الأشياء يغيب بريق الخيال ويصبح الأفق أطلالًا ولا يرى الإنسان شيئًا حتى نفسه، أما الجمال فلن يراه من البشر إلا عشاق الحياة، وهنا يمكن أن نتكلم عن الأذواق والأشياء والأخلاق ولغة الحوار والتعامل رفضًا أو قبولًا، إنه الإنسان صانع الحلم وعاشق الخيال ومبدع الجمال، إنها ثلاثية الحياة.
ــــ فى استفتاء عن أجمل مدن العالم فى عام 1924 فازت القاهرة فى السباق، وكانت البيوت والقصور والشوارع ونبلنا الخالد تزين المدينة العريقة. كان الغناء ممتعًا وجميلًا، كلامًا وأداءً ولحنًا وناسًا، وكانت لغة الحوار تمثل الرقي، وكانت الأخلاق زائرًا دائمًا للبيوت، وكانت المدرسة تعلم والجامعة ترفع راية الوعى والفهم، وكانت الرموز فى كل شيء تضيء العقول تقدس القيمة، وكان الذوق العام يجعل البسطاء ملوكًا فى الترفع.
ــــ كان الفلاح يغنى الأطلال وشكسبير وعايدة فى العتبة، والعقاد وطه حسين فى الإذاعة، والصلوات فى الحسين والسيدة، والشيخ رفعت يقرأ سورة مريم وآل عمران، وكانت مصر قلعة النور والوعى والترفع لكل عشاق الحياة. كانت مصر ملجأ الهاربين من الحروب.. الباحثين عن بيت فى وطن آمن، وكان الغرباء من كل بلاد الدنيا يحجون لمدينة التاريخ وزمن الأصالة، هكذا كنا قبل أن يُسدل الستار على مدينة الحلم والخيال والجمال ونحزن على شيء كان يُسمى الذوق العام..
ــــ نحن لم نكن وطنًا غنيًا فى موارده ولكنه كان عبقريًا فى إبداعه ..كان الإنسان هو ثروة مصر الحقيقية وكان أول نماذج الحضارة وأول قصص الخلود، جيشًا وشعبًا وريادة، إن مصر لا يمكن أن تكون شيئًا غير ما كانت عليه ويجب أن نحافظ على مصر الدور والريادة، القيمة والإنسان ثروتها الحقيقية، المال لا يبنى الحضارة، ولكن الإنسان صانع الحضارة فى كل الأزمنة والعصور..