توقيت القاهرة المحلي 10:10:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حضارة الموت وقراصنة البشر

  مصر اليوم -

حضارة الموت وقراصنة البشر

بقلم:فاروق جويدة

 دخل العالم إلى مرحلة جديدة وهو يعيد ترتيب الأوراق والأدوار والقوى كأن العالم يبشر بزمان جديد، أصبحت الشعوب أكثر تقدما وازدهارا، فقد ظهرت التكنولوجيا فى أحدث صورها بما فيها التقدم العلمى الرهيب فى الطب والأسلحة الحديثة والإنسان الآلى.. وكان العالم ينتظر زمنا جديدا أكثر أمنا واستقرارا..

◙ وبعد أن شهد العالم عدة حروب لم ينتصر فيها أحد، سقطت منظومة التكنولوجيا أمام سوء الاستخدام، وزادت حدة الصراع فى حروب لم ينتصر فيها أحد. خرجت أمريكا بهزيمة ساحقة فى أفغانستان، ولم تحقق أهدافها فى احتلال العراق، واكتفت بتجارة السلاح وشراء القواعد، بينما خرج المارد الصينى ليغير كل الحسابات، وبدأت شواهد الدمار تحيط بالعالم كله أمام صراع الكبار واستباحة الصغار. وهبط على السلطة فى أمريكا رجل عقارات فتحولت السياسة فى عهده إلى صفقات عقارية، واختار العالم العربى هدفا لأطماعه، ووجد فى عصابة تل أبيب غايته المنشودة، وهنا بدأت التحولات والصفقات والأطماع.

◙ كان البترول العربى حلم أمريكا القديم منذ ظهرت بوادره فى دول الخليج، ولم تتردد أمريكا فى أن تهبط بجيوشها وشركاتها وخبرائها على منابع البترول فى أكثر من دولة عربية، وأقامت أهم قواعدها العسكرية فى دول البترول. ومن أجل البترول دخلت فى اتفاقيات حماية للأرض ومنابع البترول. وكانت إسرائيل هى المؤهلة لتكون الحارس على البترول العربى. ودخلت أطراف أخرى اتفاقيات الحماية، واستطاعت إسرائيل أن تقنع أمريكا والغرب بأنها مصدر الحماية للمصالح الغربية، وأنها الكفيل الحضارى وسط عالم متخلف.. وكانت فلسطين أولى ضحايا المشروع الصهيونى، وفرضت على العالم العربى برامجها: متى تحارب، ومتى تتوسع، ومتى تكون داعية لأوهام السلام.

◙ وجدت إسرائيل ضالتها فى الرئيس ترامب، لأنها تشارك الرجل فى فكره وأطماعه وصفقاته. إنه لا يجيد السياسة، بينما يجيد إبرام الصفقات. كان احتلال غزة أول اختبار بين إسرائيل وترامب، ابتداء بدعوات السلام وانتهاء بترويض العالم العربى لتحقيق أهدافه. وكانت غزة أولى صفقات ترامب وإسرائيل، وساعد على ذلك أن ترامب لقى فى نيتانياهو غايته المنشودة، حيث اجتمع حلم الصفقات مع حلم الأطماع. وهنا بدأ المشروع الصهيونى الأمريكى فى الهيمنة المشتركة والتوسع.

◙ كانت هناك بدايات للمشروع فى احتلال العراق ثم سوريا ثم لبنان ثم غزة والضفة، وهنا أقامت إسرائيل طوق حماية من غزة والضفة وسوريا ولبنان والعراق، والبقية تأتى.

كانت عيون ترامب تتجه إلى الخليج، ونجح نيتانياهو أن يمهد له الطريق حين تكدست فى يديه مليارات الخليج.. كانت الجولة الأخيرة هى إيران، وكانت بدايتها استشهاد المرشد ورموز الحكم فى الساعات الأولى، واكتملت الأجزاء الأولى لتبدأ مراحل الانتقام بالصواريخ وموجات الدمار التى لحقت بأمريكا وإسرائيل معا.

◙ لا يمكن أن نفصل هذه الغزوة البربرية عن ثلاثة أهداف. الأول أن هناك جانبا دينيا فى المعركة، وأن الدين الإبراهيمى قد مهد الطريق فى عدد كبير من الدول العربية. الجانب الثانى أن المال العربى سيبقى هدف أمريكا وإسرائيل، وأن البترول سوف يبقى الحلم حتى آخر بئر فيه. وأن أطماع إسرائيل فى مشروع دولتها الكبرى يمثل مستقبل أجيال، وأن الذئب الصهيونى لن يتراجع عن وليمته حتى لو تخلت عنه أمريكا. يبقى هناك احتمال، أرجو ألا يكون بعيدا، أن تكون حرب إيران بداية جديدة لمستقبل يحترم كرامة البشر وأمن الشعوب، أما تكنولوجيا العصر والإنسان الآلى وسماسرة السلاح فلن يطول بهم المقام.

◙ إن اشتعال العالم العربى والحرائق التى دمرت كل شيء، والدمار الذى استباح أطفال غزة، لن يكون حدثا عابرا، بل سيكون بداية عصر جديد حين تفوق الشعوب وتطلب حقها فى الحياة والأمن والكرامة، ويدرك العالم أن سماسرة الموت وتجار الوحشية لن يكون لهم مستقبل بين شعوب تحلم بمستقبل يسوده العدل والحق والأمان. لا مستقبل للطغاة..

◙ كان من المستحيل أن تقتصر حرب إيران على نتائج سريعة بين أطرافها، ولكن التوابع كانت كثيرة، فقد ارتفعت أسعار البترول وأصبحت تمثل تهديدا لكل دول العالم، كما أن الأخطر هو توقف دول الخليج عن الإنتاج. وكان اشتعال الموقف بين إسرائيل ولبنان سببا فى هجرة الآلاف، ودخلت دول أوروبا فى الأزمة وأرسلت حاملات الطائرات كما فعلت إنجلترا وفرنسا والدنمارك، وهناك أطراف أخرى تتابع الموقف مثل باكستان وأفغانستان وكوريا الشمالية، ولم يتأكد بعد دخول الصين أو روسيا. نحن أمام حالة من الفوضى غير محسوبة النتائج أو الحسابات.

◙ لقد بدأت الحرب ولا أحد يعرف متى تنتهى، فما زالت توابعها تزداد مع دخول أطراف أخرى.. وإن كانت القضية الفلسطينية واحتلال غزة فى مقدمة الأسباب بين العرب وإسرائيل .. الرئيس ترامب يسعى لتحويل الحرب مع إيران إلى حرب بين الشرق والغرب وبين الإسلام والأديان الأخرى، وقد تتحول إلى حرب عالمية لا غالب فيها ولا مغلوب..

◙ كانت حالة الفوضى والانقسام فى العالم العربى سببًا فى كل ما نشهده الآن، ابتداءً بالحروب الأهلية فى أكثر من دولة، والاستعانة بالقوى الأجنبية للتدخل فى شئون الشعوب، وانتهاءً بحالة من الفوضى انتهت بنا إلى ما نحن فيه. كان الاعتماد على أمريكا خطا تاريخيَّا، خاصة أنها استغلت حالة الفوضى وقدمت لإسرائيل فرصة تاريخية لاقتحام الأرض العربية تحت راية التطبيع والسلام الكاذب ومشروع إسرائيل الكبرى، وقد وجدت فى الانقسام العربى فرصة لتحقيق أهدافها. كان احتلال غزة وتدميرها وحصار الشعب الفلسطينى دون عون من أحد من أسباب الفوضى التى أصابت القرار العربى. ومع العدوان على إيران ولبنان واليمن وسوريا ثم دول الخليج، استباحت إسرائيل بدعم أمريكى كل مقدرات العالم العربى أمام مجموعة من الدول افتقدت التنسيق والمسئولية، ومنحت إسرائيل فرصة تاريخية فى تأكيد وجودها.

◙ لم يبق أمام العالم العربى غير فرص قليلة لفك الحصار عن قراره وتحرير إرادته والعودة إلى ثوابته القديمة بعيدًا عن وصاية أمريكا وهيمنة إسرائيل. نحن أمام لحظة تاريخية فارقة، إما أن تقوم هذه الأمة من كبوتها أو تصبح أوطانًا مستباحة لقوى الشر والعدوان.

◙ تبقى نقطة أخيرة: على العالم العربى أن يعيد النظر فى اتفاقياته وعلاقاته وقدراته، وأن يعيد ثوابته القديمة حين كان أمة واحدة وشعوبا تصون كرامتها وتحمى دينها وتدافع عن أرضها وتحترم شعوبها.

 

..ويبقى الشعر

يا عَاشقَ الصُّبح وجهُ الشـَّمْس ينشطِرُ

وأنجُمُ العُمْر خلفَ الأفق تنتحِـــــرُ

نهفـُو إلى الحُلم يَحْبُو فى جَوانِحِنــــا

حَتـَّى إذا شبَّ يكـْبُو .. ثم يندثـــــــرُ

يَنـْسابُ فى العَيْن ضوءًا .. ثم نلمحُهُ

نهرا من النار فى الأعماق يسـتعـرُ

عمرٌ من الحُزْن قدْ ضَاعتْ ملامحـهُ

وشرَّدتـْهُ المنى واليأسُ..والضَّجـرُ

مَازلت أمْضِى وسرْبُ العُمْر يتبعُني

وكلـَّما اشْتدَّ حلمٌ .. عَادَ ينكســــرُ

فى الحُلم مَوتى .. مَعَ الجلادِ مقصَلتِي

وَبينَ مَوْتى وحُلمى .. ينـْزفُ العمــُرُ

إن يَحْكـم الجهلُ أرضًا كيفَ ينقذهَا

خيط من النـُّور وسْط الليل ينحسـرُ؟

لن يَطلعَ الفجرُ يومًا من حناجرنـَا

ولن يصونَ الحمى منْ بالحمَى غدرُوا

لن يكـْسرَ القيدَ مَنْ لانتْ عزائمُــهُ

ولنْ ينالَ العُلا .. مَنْ شلــهُ الحـــــذرُ

ذئبٌ قبيحٌ يُصلـِّى فى مَسَاجدنـَـــا

وفوْق أقـْدَاسِنـَا يزهــُـــــو .. ويفتخـــِــرُ

قدْ كانَ يَمْشى على الأشْلاءِ مُنتشيًا

وَحَوْله عُصْبة ُ الجـُــــرذان تأتــــمــــرُ

من أينَ تأتى لوجهِ القـُبْح مكـْرمــــة ٌ

وأنهرُ الملح هل يَنـْمو بها الشَّجــَـــــرُ؟

القاتلُ الوغـْدُ لا تحميهِ مسْبَحـــــــة

حتى إذا قــامَ وسْط البيتِ يعتمـــــرُ

كمْ جاءَ يسْعَى وفى كفيه مقصلـــة ُ

وخنـْجَــرُ الغدر فى جنبيهِ يســـتتــــــرُ

فى صفقةِ العمْر جلادٌ وسيــِّـــــدُهُ

وأمَّة فى مزادِ المــْوتِ تنتحــــِـــــــــرُ

يَعْقــوبُ لا تبتئسْ .. فالذئـْبُ نعْرفـُه

منْ دم يوسُف كل الأهْــل قدْ سكـــرُوا

أسماءُ تبْكى أمـــامَ البيـــتِ فى ألم ٍ

وابنُ الزُّبير على الأعْنــاق ِ يحتضـــرُ

أكادُ ألمحُ خلــــفَ الغيْبِ كارثــــة ً

وبحرَ دَم على الأشلاءِ يَنـْهَمــــــرُ

يومًا سيحْكى هنا عَنْ أمـَّــة هلكـتْ

لم يبْق من أرْضِها زرعٌ..ولا ثمــــرُ

حقتْ عليْهم مِنَ الرَّحْمــن لعنتـُـــهُ

فعِنـْدَما زادَهم من فضْلِه..فجـَــــــرُوا

يا فارسَ الشِّعر قل للشِّعـر معذرة ً

لنْ يسْمَعَ الشِّعرَ منْ بالوحْى قدْ كفروا

واكتبْ على القبْر : هذى أمَّة رَحَلتْ

لم يبق من أهْـلها ذكرٌ..ولا أثـــــــــرُ

 

قصيدة كانت لنا  أوطان   سنة 1997

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حضارة الموت وقراصنة البشر حضارة الموت وقراصنة البشر



GMT 09:35 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

شقق للقصف

GMT 09:29 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

لبنان… والإفلات من مصير “الحرس الثوري”

GMT 09:27 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

الخليج بين ضفتيه الشرقية والغربية

GMT 09:24 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

ماذا تريد إيران وهل تغيّر الحرب السياسات؟

GMT 09:22 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

إيران تنصّب «مرشداً أعلى» جديداً

GMT 09:20 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

جنوبيو لبنان... «عرب الـ26»

GMT 08:59 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

حَذارِ من الطابور الخامس

GMT 08:25 2026 الجمعة ,13 آذار/ مارس

الوطنُ للجميع... بأمر الرئيس

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - روجينا تكشف حقيقة خلافها مع غادة عبد الرازق

GMT 00:02 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

عطور نسائية برائحة الشوكولاتة

GMT 08:28 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

روتين العناية بالبشرة خلال فترة تغيير الطقس

GMT 19:05 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

ويل سميث يقفز من الطائرة في عيد ميلاده الـ50

GMT 23:51 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

الأهلي يشيد بدور وزارة الداخلية في تأمين القمة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt