بقلم:فاروق جويدة
كان وداعًا حزينًا، وهو يقبّل رأس أمه وهى تبكي، وإحدى الوصيفات فى دار المسنين تدور بها فى غرفة صغيرة. كان قلبه يتمزق ألمًا، وهى تنظر فى عينيه وترى ذلك الطفل الصغير وهو يبتسم بين يديها. كانت فرحتها تكفى هذا العالم، وكانت تشعر وهو ينام على صدرها أنها ملكت العالم.
فى أول يوم ذهب فيه إلى المدرسة جلست تبكى حتى عاد. تجسدت كل أحلامها فيه، والأيام تتسرّب وهو يكبر.
كانت الشقة صغيرة، وقررت أن يتزوج معها. غرفتان، الأولى ــ وهى الأكبر ــ اختارتها العروس، وأخذت الأم ركنًا فى الغرفة الصغيرة.
توافد الأبناء، وكانت سعيدة كلما احتضنت واحدًا منهم. إنهم فرحة عمرها.
كبر الأبناء الثلاثة، وزادت أعباء الحياة عليه .. لم تعد الغرفة الصغيرة تكفى الآباء، إنهم ينامون فوق بعضهم.
الأب المسكين يعمل فى أكثر من مكان، ومعاش الأم لا يكفى الدواء، وهى تشعر أن ابنها يتحمل فوق ما لا يُطاق.
فى ليلة حزينة، انطلق الصراخ فى الشارع.. حريق ضخم يلتهم كل شيء.. نزل من البيت، وزوجته تجرى خلف الأبناء، الأم تترنح على السلم القديم المتهاوي، والدخان يحيط بالمكان، وصراخ الجيران ينطلق من النوافذ.
احترق كل شيء.. نامت الأسرة تحت أطلال شجرة عتيقة.
فى اليوم التالي، كان الأب يتجه مع زوجته إلى خيام الإيواء، وجاء أحد أقرباء الأم وقال: قدّمت لها فى دار للمسنين خارج القاهرة، فى إحدى المدن الريفية.
وقفت فى حجرتها الصغيرة فى الدار، كانت تبكي، وكان يضع رأسه على صدرها وهى تهمس: «الولاد وحشوني».