توقيت القاهرة المحلي 01:50:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فاروق شوشة.. أحب الشعر وذاب عشقا فى لغتنا الجميلة

  مصر اليوم -

فاروق شوشة أحب الشعر وذاب عشقا فى لغتنا الجميلة

بقلم:فاروق جويدة

كان مثقفا من طراز رفيع، لغةً وتاريخا وإحساسا، وعاش راهبا فى مملكة اللغة العربية، مدافعا عنها، عاشقا لها، مسافرا طول الوقت بين ربوعها شعرا ونثرا وإحساسا وعشقا.. كان من أقرب الأصدقاء إلى قلبي، وكان قد سبقنى شاعرا وإذاعيا وتمتع بمكانة خاصة فى الثقافة العربية كوجه من وجوه الثقافة المصرية فى عصرها الذهبي.. التقينا فى بداية المشوار وأصبحنا من أقرب الأصدقاء، وكان فاروق شوشة نجم الأمسيات وصاحب أشهر برنامج عن اللغة العربية «لغتنا الجميلة»، وقد سافر فيه إلى أبعد جماليات اللغة شعرا وتاريخا ورموزا وعذوبة وجمالا..

ــــ عرفت فاروق شوشة وكان نجم الإذاعة المصرية العريقة فى عصرها الذهبي، وأخذ مكانه ومكانته بجوار فهمى عمر وجلال معوض وآمال فهمى وبابا شارو وأبلة فضيلة وطاهر أبو زيد وعمر بطيشة وأحمد سعيد وصبرى سلامة، وصفية المهندس وأحمد سالم وسامية صادق وعبد الرحمن رشاد وحمدى الكنيسى، وهذه الكوكبة التى شكلت هذه الأسطورة التاريخية التى شاركت فى صياغة الوجدان العربى ثقافة ووعيا..

امتدت جسور المودة بينى وبين فاروق شوشة، كنا نقيم الأمسيات الشعرية معا ونسافر إلى المحافظات، وتطورت العلاقة إلى أمسيات كنا نقيمها فى العواصم العربية فى مناسبات عديدة، وجاء الوقت وسافرنا معا فى ندوات وأمسيات فى دول أوروبية..

ـــــ كان فاروق شوشة إنسانا رقيقا مهذبا فى كل علاقاته بالآخرين، وكان يحتل مكانة خاصة فى الأوساط الثقافية فى مصر والعالم العربي، وقد حقق شهرة واسعة من خلال أشهر برامجه «لغتنا الجميلة».. لم يكن فاروق صِداميا، واكتفى بما حققه من الشهرة والبريق والمكانة الثقافية التى وصل إليها، وربما فرضت عليه ضرورات الوظيفة أن يكون محايدا ولا يصل إلى مناطق الصدام، كما أن فاروق بطبيعته كان إنسانا هادئا لا يحب ضجيج الأشياء والبشر..

ــــــ أخلص فاروق شوشة لدوره كواحد من عشاق اللغة العربية، وكان مدافعا عنها، وواجه تحديات كثيرة مع خصومها.. كانت رحلته مع التليفزيون من أنجح رحلاته، وكان برنامجه الشهير «أمسية ثقافية» وجبة ينتظرها عشاق الثقافة فى كل مكان.. فى هذا البرنامج قدّم فاروق شوشة رموز الثقافة العربية: توفيق الحكيم، والعقاد، ونجيب محفوظ، وأنيس منصور، ويوسف إدريس، وما زالت هذه اللقاءات فى مكتبة التليفزيون المصري، وقليلا ما يُفرج عنها ويراها الناس، رغم أنها أعمال أصبحت جزءا من التاريخ..

ـــــ كانت سنوات عمر فاروق شوشة موزعة بين الشعر والإذاعة والتليفزيون.. فى مملكة الشعر قدّم مجموعة من الدواوين للمكتبة العربية، اتسمت بالعذوبة والصدق والأصالة، وكان فيها متفردا بصوته وصوره وإحساسه، ولم يخرج من عباءة أحد، وظل محافظا على رصانة اللغة الجميلة، ولم يتمرد عليها أو تحمله رياح الحداثة والشعر السائب كما كان يسميه العقاد.. وقد ترك فاروق شوشة حديقة وارفة الظلال والثمار من الشعر الجميل..

ألقى النيلُ عباءتهُ فوق البرِّ الشرقيّ ونامْ

هذا الشيخُ المحنيُّ الظهرِ

احدودبَ،

ثم تقوّسَ عبر الأيامْ

العمرُ امتدَّ

وليلُ القهر اشتدَّ

وصاغَ الورّاقون فنونَ الكذبةِ فى إحكامْ

لكنّ الرحلةَ ماضيةٌ

والدربُ سدودٌ

والألغامْ !

حمل العُكَّازَ وسار يحدّقُ فى الشطآنِ

وفى البلدانْ

دقَّ الشيخُ النيلُ البابَ

فما اختلجتْ عينٌ خلف الأبراجْ

ولا ارتدَّ صدىً فى المرسى الآسنِ

أو طار يمامْ !

من يدرى أن النيلَ أتى

أو أن له ميعادًا تصدحُ فيه الموسيقى

ويُؤذّن فيه الفجرُ

فتنخلعُ الأفئدةُ..

ويكسو العينين غمامْ !

وتنحنح مزدردا غُصَّتَهُ

عاود دقَّ البابِ

الناسُ نيامْ !

ألقى النيلُ عباءتَه فوق البرّ الغربيِّ

ونامْ !

ــــــ أما برنامجه الأشهر «لغتنا الجميلة» فقد سافر فيه إلى أبعد المناطق فى تراث اللغة العربية، شعرا ونثرا وتاريخا ورموزا وأحداثا، وهو من أهم وأبقى إنجازات فاروق شوشة.. وفى «أمسيته الثقافية» البديعة كان يسافر بالمشاهد إلى آفاق بعيدة من الفكر والحوار والوعي، ويكتشف مناطق التفرد والإبداع لدى أهم رموز الثقافة المصرية..

ــــــ كان مشوار فاروق شوشة رحلة ثرية فى إبداعها وتنوعها ورصانتها، فقد كان مثقفا حقيقيا، تخرج فى أعرق وأقدم كليات جامعة القاهرة، وهى كلية دار العلوم، معقل اللغة العربية. وفى مشواره فى الإذاعة عاش مع نخبة من أهم رموز الثقافة المصرية، وقد احتل مكانة خاصة لدى المثقفين العرب فى كل العواصم العربية. وكانت حياة فاروق شوشة تحمل كل ما عاش عليه: داعيا للحب، مدافعا عن الإنسان، حرية وكرامة.. وقد تغنى فى شعره بكل قيم العدل والرحمة والإنسانية..

ــــــ لم يكن فاروق شوشة شاعرا مبدعا فقط، ولكنه كان واحدا من قِلّة يجيدون إلقاء الشعر ويتمتعون بقدرة صوتية خاصة فى إلقاء القصيدة، بجانب صدق الإحساس فى التعامل مع الكلمة.. وقد ظل فاروق مخلصا للقصيدة العاطفية التى أجادها وأمتع جمهوره بها، وإن جنح أحيانا إلى القصيدة الوطنية التى لم تخلُ من مشاغبات سياسية، اتخذت من الرمز طريقا. وكان فاروق شاعرا فى حياته وعلاقاته وسلوكه، وكان يفضل دائما أن يحتفظ بمساحة بينه وبين الآخرين بُعدا واقترابا..

وفى قصيدته أنا إليك

أنا إليك مبتداى حاضرى ونهايتي

أشعلت أيامى فصارت نارها حقيقتي

فإن سألت عن هواى هذه حكايتي

ندية كوجهك الملىء بالطفولة

رخيمة كصوتك المنساب فى سريرتي

عميقة كعطرك الزكى فى حديقتي

حسبى على طول الزمان أنت حبيبتي

ــــــ كان فاروق من أعز أصدقاء الزمن الجميل، وجمعت بيننا ذكريات كثيرة، وكانت الإذاعية القديرة هالة الحديدى رفيقة مشواره، نجاحا وبريقا وحضورا، وقد بقى فاروق شوشة الشاعر والصديق والمثقف جزءا عزيزا فى عمري، وما زال مكانه خاليا.. لا شك أن فاروق شوشة ترك فراغا فى الساحة الثقافية، شاعرا وإذاعيا قديرا، وواجهة ثقافية وإعلامية كانت تُضيف الكثير إلى الإعلام المصرى حضورا وتأثيرا.

 

                 ◙    ◙    ◙

..ويبقى الشعر

 

يَا سَيِّدى .. فَلأَعْتَرِفْ

أن الجَوادَ الجامِحَ ..

المجنُونَ قَد خَسِرَ الرِّهَانْ

وبأنَّ أَوْحَالَ الزَّمَانِ الوَغدِ

فوقَ رءوسنَا..

صَارت ثيابَ المُلكِ .. والتيجانْ

وبأن أشباه الرجال تحكموا

وبأن هذا العَصرَ للغِلمانْ

يا سيَدى .. فَلأَعْتَرِفْ

أن القصَائِدَ لَا تَسَاوِى رَقْصَةً

أو هزَّ خِصرٍ فى حِمَى السُّلْطَانُ

أن الفراشَاتِ الجميلةْ..

لنْ تقاومَ خِسَةَ الثعبانْ

أن الأسُودَ تُموتُ حزنًا

عندمَا تتحكم الفئرانْ

أن السَّماسرة الكبار تَوَحَشُوا

باعوا الشُّعوب.. وأجْهضُوا الأوْطانْ

ولأَعْتَرِفْ يا سيدى ..

إنى وَفَيْتُ .. وأن غَيْرِى خانْ

أنى نزفُت رحِيق عمْرى

كيْ يُطلَّ الصبحُ ..

لكن .. خاننى الزمنُ الجبانْ

وبأننى قدَّمتُ فَجْرَ العُمرِ قُربانًا ..

لأصنام تبيع الإفكَ جَهْرًا ..

فى حمى الشيطان

وبأننى بعتُ الشبابَ .. وفرحةْ الأيامِ..

فى زمن النخاسةِ والهوانْ

ولأَعْتَرِفْ يا سيدى ...

أنى خَسِرتُ العُمرَ فى هذا الرِّهانْ

وَغدوتُ أحملُ وجْهَ إنسانِ .. بلا إنسانْ

◙    ◙    ◙

غَنَّيتُ للقدس الحبيبةِ أَعْذَبَ الأَلْحَانْ

وانسَابَ فَوْقَ ربوعها شِعْرى

يطوف على المآذنِ ..

والكنائسِ .. والجِنانْ

القدْسُ ترسمُ وجْهَ طهَ...

والملائكُ حولهُ

والكونُ يتلوُ سورَة الرحمنْ

القدْسُ فى الأفق البعيدِ

تطلٌ أحيانَا وفى أحشَائِها

طيفُ المسيِح .. وحَولهُ الرهبانْ

القدْسُ تبدُو فى ثيابِ الحزنِ..

قنديلا بلا ضوءِ..

بلا نبضِ .. بلا ألوانْ

تبكِى كثيرًا

كَلَّمَا حَانَتْ صَلاةُ الفجْرِ..

وانطفأت عُيونُ الصبح..

وانطلقَ المؤذنُ .. بالأذانْ

القدْسُ تسألُ:

كيف صاَر الابنُ سمسارَّا.. وباع الأمَّ

فى سُوق الهوانِ بأرخصِ الأثمانْ ؟!

صَوْتُ اَلْمَآذِنِ. . وَالْكَنَائِسُ لَمْ يَزَلْ

فِى اَلْقُدْسِ يَرْفَعُ رَايَةَ اَلْعِصْيَانْ

اللهُ أَكبَرُ مِنْكَ يَا زَمَن اَلهَوَانْ

اللهُ أَكبَرُ مِنْكَ يَا زَمَن اَلهَوَانْ

اللهُ أَكبَرُ مِنْكَ يَا زَمَن اَلهَوَانْ

كَانَتْ لَنَا يَوْمًا.. هُنَا أَوْطَانْ

◙    ◙    ◙

وطن بلون الصبح كانْ..

وطن بلون الفرْح..

حين يجيءُ منتصرا على الأحْزانْ

وَطَنٌ أَضَاءَ اَلْكَوْن عُمْرًا

بالسَّماحة.. والهداية.. والأمَان

وَطَن عَلَى أَرْجَائِهِ الخضراء هَلَّ الوَحْىُ

فِى اَلتَّوْرَاةِ.. وَالْإِنْجِيلِ.. وَالْقُرْآنْ

فِى كُلِّ شِبْرٍ مِنْ ثَرَاه..

تَمَهَّل التَّارِيخُ.. وَانْتَفَض الزَمَانْ

وطن بلونِ الصُّبْحِ كَانْ

يمتد من صوتِ المؤذن..

فى ربوع الشامِ.. للسُودانْ

يَنسابُ فَوقَ ضَفَافِ دجلةْ

ينتشيِ فيِها

ويرقص فى رُبَى لبنانْ

ويُطلٌٌ فوقَ حَمَائِل الزيتونِ

فى بغْدادَ .. فى حَلب.. وفى عمانْ

عَيْناهُ دِجلة والفراتُ..

جناحُه يمتد فى اليَمَنِ السَّعيدِ.

إلى ضِفافِ المغربِ العربي

من أقصَى الخليج.. إلى ذرا أسْوانْ

فِى مصرَ تاجُ العرش

بين رُبُوعها ولِد الزمانُ.. وكبر الهرمانْ

القلبُ فى سيناءَ ينبضٌ..

يَحْملُ النيل المتوج بالجَلال..

فتسجد الشطآنْ

وَطنُ تطوف عليه مكة كعْبةُ الدُّنيا

وبيتُ الحق.. والإيمانْ

وَطنُ عنيدٌ أيقظ الدنيا

وعلَّمها طريق المجْدِ..

علَّمها فُنون الحربِ..

علمها البَيانْ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فاروق شوشة أحب الشعر وذاب عشقا فى لغتنا الجميلة فاروق شوشة أحب الشعر وذاب عشقا فى لغتنا الجميلة



GMT 01:50 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

حرب شاملة أم عملية محدودة؟

GMT 01:47 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

الأستاذ فهمى عمر..

GMT 01:44 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

الصين.. هل تساعد إيران ضد أمريكا؟

GMT 01:41 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

إنها الحرب إذن!

GMT 01:40 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

الصدمة الهندية!

GMT 01:38 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

المؤثرون!

GMT 01:37 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رد وزارة التضامن

GMT 10:23 2026 السبت ,28 شباط / فبراير

“عمّان تختنق”!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt