توقيت القاهرة المحلي 13:04:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟

  مصر اليوم -

ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة

بقلم: عثمان ميرغني

غداً يصادف مرور ألف يوم على اندلاع الحرب. رقمٌ ثقيل لا يُقاس بالزمن وحده، بل بما خلّفه من دماء وخراب وفقدان. ألف يوم تفرض التوقف، لا لإحصاء الخسائر فحسب، بل لمراجعة المسار، والتأمل في الدروس القاسية التي كُتبت بآلام البشر، حتى لا تتكرر المأساة.

في هذا السياق، فإن السؤال الأصعب منذ اندلاع الحرب هو كيف يمكن التعامل مع معضلة «الدعم السريع»؟ فهي ليست مجرد طرف عسكري في حرب، بل بنية مسلحة تشكّلت خارج منطق الدولة، وراكمت نفوذها عبر العنف، واقتصاد موازٍ، وعبر توظيف الانقسامات الاجتماعية والسياسية. إن أي مقاربة جادة لهذه المعضلة تبدأ بالاعتراف بأن تطبيع وجود أي ميليشيا أو قوات رديفة، ومساواتها بالمؤسسة العسكرية الرسمية، يمثلان خطأ جسيماً، وخطراً دائماً على فكرة الدولة نفسها. وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالحل العسكري وحده، من دون أفق مسار واضح للمستقبل، يهدد بإعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.

إن معضلة «الدعم السريع» ليست اختبار قوة عسكرية رديفة فحسب، بل اختبار لقدرة السودان على الخروج من حلقة العنف، وبناء دولة لا تؤجل العدالة إلى ما لا نهاية بحجة الضرورة. فتعقيدات هذه المعضلة تزداد حين توضع في سياق أوسع، وفي مشهد ساحة سودانية تعج بتشكيلات مسلحة متعددة، لكل منها حساباتها وسلاحها وخطابها. وفي مثل هذا الواقع، تصبح طريقة التعامل مع «الدعم السريع» رسالة تتجاوز هذه القوة، وتنظر نحو معالجة أشمل لقضية حمل السلاح بوصفه طريقاً مختصراً إلى النفوذ والمكاسب، أو لمعالجة أي مظالم.

لقد جرّب السودان، غير مرة، مقاربة أنصاف الحلول: تسويات هشة لا تعالج جذور المشاكل، بل تكتفي بمكافأة حاملي السلاح بالمناصب والمكاسب، على حساب الضحايا والدولة. وكانت النتيجة واحدة في كل مرة: تأجيل الانفجار لا منعه، وتوسيع دائرة العنف بدل تضييقها.

من هذا المنطلق، فإن أي حل يمنح «الدعم السريع» شرعية أو مكاسب من دون تفكيك بنيتها، ومن دون محاسبة جدية على الجرائم المرتكبة، يعني عملياً إعادة إنتاج الحرب القادمة، لا إنهاء الحرب الحالية.

يرتبط بهذه القضية سؤال آخر مطروح منذ اندلاع الحرب: هل الحياد ممكن في ظل ما يحدث؟ وهل يمكن تسويقه على أنه الموقف الأخلاقي الصحيح في ظل الفظائع التي ارتُكبت بحق الأبرياء، والدمار الواسع المتعمد الذي امتد لكل المنشآت والبنى التحتية، ولم تسلم منه المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمتاحف؟

السؤال ذاته يمكن طرحه من زاوية هل الوقوف إلى جانب الجيش، بوصفه مؤسسة الدولة، يُعد الموقف الصحيح؟

تقديري أنه يصعب الحديث عن حياد أخلاقي حين يكون هناك طرف ارتبط بارتكاب فظائع واسعة النطاق: من القتل على الهوية، والإبادة، والاغتصاب المنهجي، والتهجير القسري، ونهب المدن والقرى، إلى تدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية. هذه الانتهاكات، الموثقة بشهادات الضحايا وفيديوهات مقاتلي «الدعم السريع» أنفسهم، وتقارير حقوقية متعددة، لا يمكن وضعها في كفة واحدة مع أي خطاب عن «صراع متكافئ» بين طرفين.

بالنسبة لكثيرين الإجابة لا تنبع من حب الحرب، بل من الخوف المشروع على ما تبقى من فكرة الدولة نفسها عندما تكون في مواجهة مشروع متفلت قائم على العنف والنهب وانتهاك الكرامة الإنسانية. فهزيمة الجيش في هذه المعادلة لا تعني انتصار السلام، بل انتصار منطق القوة المنفلتة، وانهيار ما تبقى من مؤسسات، وفتح الباب أمام فوضى لا سقف لها.

ومع ذلك، فإن وضوح الموقف من انتهاكات «الدعم السريع» لا ينبغي أن يتحول إلى صك مفتوح، بل يجب أن يقترن بالتأكيد على أن إنهاء الخطر الراهن هو خطوة للعودة إلى مسار دولة مدنية، تحتكر السلاح، وتحمي مواطنيها، وتعالج المظالم، ولا تعيد إنتاج المأساة بوجه جديد.

بعد ألف يوم من الحرب، لا يكفي أن نتساءل عمّا حدث، بل عمّا يجب أن يتغير جذرياً حتى لا تتكرر المأساة. أول هذه التغييرات هو القطع مع منطق السلاح كوسيلة لحسم الخلافات، وبناء دولة تحتكر القوة وتخضع فيها جميع المؤسسات، بما فيها العسكرية، للمساءلة والقانون.

كما أن منع التكرار يقتضي مراجعة شجاعة لتجربة الانتقال السياسي، وأدوار النخب، وأسباب فشل الحلول السابقة، بدل الاكتفاء بلعن النتائج. فالذكرى، إذا لم تستثمر لنقاش جريء يغوص في الأسباب، ويسعى للحلول مهما كانت صعبة، تصبح طقساً بلا معنى يُستدعى في كل محطة فارقة، ثم يُنسى حتى تقع الكارثة التالية.

فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى مسار يعلي دائماً قيمة الإنسان والوطن، ويرسخ السلام والاستقرار، ويتعلم من الأخطاء بدل أن يعيد إنتاجها. فالتاريخ لا يرحم من يكرر مآسيه، ولا يغفر لمن امتلك فرصة التعلم واختار التجاهل.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة ألف يوم على حرب السودان كيف نمنع تكرار المأساة



GMT 09:05 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

شرق المساكين

GMT 09:04 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

آن للعالم أن يخرج من كذبة يعيش فيها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

حين تحرّكت عقارب القيامة!

GMT 09:01 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

السودان... الهدنة الهشة لا تعني السلام!

GMT 08:59 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

رحلة العملاق!

GMT 08:58 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

«أم الاتفاقات» مجرد بداية

GMT 08:56 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

هل يمكن للأصولية أن تستغلّ الفلسفة؟!

GMT 08:55 2026 الخميس ,29 كانون الثاني / يناير

ترمب الأول وترمب الثاني

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 13:28 2021 الإثنين ,31 أيار / مايو

عمرو موسى ضيف برنامج الحكاية مع عمرو أديب

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:42 2018 الأحد ,11 آذار/ مارس

ليفربول يصدم ريال مدريد بشأن محمد صلاح

GMT 09:06 2021 الأربعاء ,03 شباط / فبراير

قصة مقتل شاب بمشروب مجهول في حفل زفاف في الشرقية

GMT 17:43 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

مصرية تطلب الخُلع لتصوير زوجها لها وهي عارية

GMT 12:35 2019 الأربعاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة ليال عبود تحصد الجائزة الكبرى في ليلة رأس السنة

GMT 21:27 2018 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

طارق الشناوي يؤكد أن إسماعيل يس كان سابقًا لعصره

GMT 09:31 2021 الثلاثاء ,09 شباط / فبراير

"هيومن رايتس" تنتقد "تقاعس" مصر في قضية "الفيرمونت"

GMT 00:09 2019 الجمعة ,18 تشرين الأول / أكتوبر

مرتضى منصور يردّ على بيان مجلس إدارة النادي الأهلي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt