توقيت القاهرة المحلي 11:13:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حضرَ الشيخُ ولم يحضرْ القدوةُ

  مصر اليوم -

حضرَ الشيخُ ولم يحضرْ القدوةُ

جيلاني العبدلي
الذين يرتادون المنابر الدينية ويتابعون البرامج الإعلامية، يمكنهم بسهولة ملاحظةُ العددِ الضخمِ من الشيوخ الذين يتصدّرون المجالس المختلفة، سواء كانوا متحاورين متناظرين أو كانوا مفسّرين معلّمين وناصحين موجّهين.. وعلى أهمية الدور الحيوي الذي يلعبه هؤلاء الشيوخُ في نشر الثقافة الإسلامية وفي إشاعة التعاليم الدينية وفي تربيّة الناس على القيم الفاضلة والأخلاق الكريمة، فإنّ رسالتهم التي ارتضوها لأنفسهم قد اتخذتْ طابعا نظريا تنظيريا، واكتستْ علاقاتهم بالناس بُعدا افتراضيا تراسُليا، بحيثُ لم يترجموا أقوالهَم بين الناس إلى أفعالهم، ولم يَقرِنوا في حضرتهم سلوكَهم بخطاباتهم، ولم يمشوا في الواقع على رؤوس الأشهاد بأخلاقهم، ولم يجسّدوا في عيون الملإ القدوةَ الفاضلةَ الواجبَ اتباعُها والنموذجَ الحسنَ المفروضَ تقليدُه والنسجُ على منواله.. هؤلاء الشيوخ بقدر ما تقلّبوا في المجالس والمنابر والمحافل، وبقدر ما تفنّنوا في التفسير والتحليل والاستنتاج، بقدر ما اغتربوا عن النّاس، وانقطعوا عنهم، وارتهنوا للخطابة والمناظرة، وتركوا في الواقع فراغا هائلا لم يُتِحْ إمكانياتِ تقويم الأعمال وتعديل السلوك، بالنظر إلى ما يكون من قدوات حسنة تمشي بين الناس وأمثلةٍ مميزةٍ يَصدقُ فعلُها قولَها، وتكونُ معيارا يقيس به ومن خلاله الفردُ مدى تحلّيه بالخلق الحميد ودرجةَ ترقّيه في سلّم الفضيلة ومستوى ابتعاده عن الشرور ومهاوي الرذيلة.. إنّ القدوة الحسنة لَتمثّلُ مكانة هامة في حياة الناس، وإنّ لها لَوقْعا خاصّا في نفوسهم، ذلك أنها تقدّمُ لهم صورة نموذجية لما يجب أن يكون عليه الأفرادُ من تطبيق جيّد للتعاليم والقيم والمبادئ السامية، وتشدُّ اهتمامَهم وعقولهم، وتفرضُ احترامَهم وانقيادَهم للضوابط السليمة والمعايير القويمة، وتكونُ بمثابة المحرار الذي يمكّنهم من مقارنة أنفسهم بغيرهم ومعرفة أيّهم أفضل وأهدى وتبيّنُ حدودَ تميّزهم وتمايزهم في مكارم الأخلاق بالقياس إلى الأسوة الحسنة بينهم التي تعايشهم وتشاركهم همومَهم ومشاغلَهم وتعاملهم بحسن الخلق وطيبة النفس ودفء المعشر.. وإذا كانتْ مجتمعاتُنا في حاجة إلى شيوخ باعتبارهم ملقّنين ومفسّرين ومعلّمين وناصحين وموجّهين بخطاباتهم المؤثّرة وكتاباتهم المتعدّدة، فإنّ الحاجة لَتبْدُو أشدَّ إلى قدوات حسنة تترجمُ الأقوال إلى أفعال، وتقدّمُ للناس أمثلة تطبيقية لما يجبُ أن يكون عليه السلوكُ القويم والفعلُ الحكيمُ. ويا حبّذا لو يُعيد الشيوخ توزيعَ جهودهم وتنظيمَ أوقاتهم، بما يتركُ لهم المجالَ مُتاحا للنزول إلى الميدان، والسير بين الناس في الأسواق والمسارح والمقاهي والمراكز، حتّى يكونوا الأسوةَ الحسنةَ التي جسّدها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الأكارم. وبالإجمال يمكنُ القولُ أنّه قد آن الأوان للمرور من القول إلى الفعل، ومن التنظير إلى الاختبار، لتقديم الدليل والمثال، وجعل السّلوك مرآةً للمسلم وعلامةً دالة عليه وعلى دينه قبل كلامه وسجاله، أما الخطبُ والمناظراتُ وحدها فهي على أهميتها، ستظلّ في غياب التطبيق المثالي محدودةَ الأثر، لأنّ الكلام الجميل وحده لا يثمرُ ولا يزهرُ، وبالتالي سيبقى الناس في تخبطهم يسيرون في الواقع بلا بوصلات تضبط وجهاتهم السليمة، وتُساعدهم على الترقّي في سلّم الفضيلة. فهلْ يُعيد شيوخُنا الأفاضلُ النظرَ في ما قدّموا للناس، وفي ما لم يقدّموا؟ وهل يأتي يومٌ نراهم فيه بيننا يمشون فينا بما حدّثوا فيكونون رسُلا فينا بأقوالهم وأفعالهم، ويصبحون أسوةً بيننا تنتزعُ منّا توقيرَنا لهم وتفرضُ اقتداءَنا بهم؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حضرَ الشيخُ ولم يحضرْ القدوةُ حضرَ الشيخُ ولم يحضرْ القدوةُ



GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 15:32 2024 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

تحديات تحولات الكتابة للطفل في العصر الرقمي

GMT 15:22 2023 الأربعاء ,23 آب / أغسطس

سأغتال القصيد

GMT 11:37 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

البشر تصبح كالخرفان في مجتمعاتنا التي يحرّم فيها التفكر

GMT 12:46 2023 السبت ,29 تموز / يوليو

ضفضة_مؤقتة

GMT 12:57 2023 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

لكى تعرفَ الزهورَ كُن زهرةً

GMT 16:19 2023 الإثنين ,17 إبريل / نيسان

فلسطين بين رمضان والفصح المجيد

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 14:28 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير المصري تدعم إستمرار ميمي عبد الرازق كمدير فني

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 16:05 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

نوع مهاجر متكاثر مهاجر عابر جديدين من الطيور

GMT 11:49 2024 الإثنين ,09 أيلول / سبتمبر

مجموعة من الأفكار لتطوير المجوهرات الخاصة

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 19:43 2025 الإثنين ,22 كانون الأول / ديسمبر

إصابة إيزاك تقلق ليفربول بعد الفوز على توتنهام

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,06 آب / أغسطس

أفضل الأساليب لحماية العطور والحفاظ عليها

GMT 15:44 2021 الجمعة ,22 تشرين الأول / أكتوبر

تفاصيل حوار باتريس كارتيرون مع رزاق سيسيه في الزمالك

GMT 13:18 2018 السبت ,28 إبريل / نيسان

نداء إلى وزير التعليم قبل وقوع الكارثة

GMT 06:54 2020 الخميس ,06 شباط / فبراير

يولد بعض الجدل مع أحد الزملاء أو أحد المقربين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt