الإسكندرية - مصر اليوم
لا توجد مدينة في العالم القديم يمكن أن تنازع الإسكندرية مكانة الصدارة، فيما تعرضت له مبانيها من دمار شامل، كما لا توجد مدينة يمكن أن تنافسها فيما يحيط بطبيعة تطورها العمراني والطبوغرافي من شك وغموض، لما يواجه الباحث في ذلك السبيل من صعوبات جمة في تتبع واستقراء مظاهر ذلك النمو والتطور.
العالم القديم (صور)
ونحن بصدد المحاولة الجادة لتتبع خطوات هذا العمران في العصر العثماني الذي ازدهرت فيه المدينة على ضفتي الرقبة الممتدة حتى جزيرة فاروس.
وتأتي الدراسة القيمة للدكتور حسام عبدالباسط الباحث بوزارة الآثار لدراسة صور الرحالة برتنشامب، التي كانت خير شاهد على هذا التطور الطبوغرافي للمدينة.
وباقتفاء كل أثر ممكن تركه هذا الفنان من خلال ما قام به من تسجيل للوحات عن رحلاته للإسكندرية، فى محاولة لبث الحياة فيما سجله عن المدينة في القرن الـ18، ربما لما يمثله "برتنشامب" من ثراء فني في اللوحات، والقدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة للمشاهد، والدقة والحرص على نقل مشاهدته فى تلك البلاد البعيدة، وفى ظل ظروف صعبة لتسجيل لوحات بديعة عن آثار الإسكندرية.
غلاف الكتاب
وساعدت موهبة "برتنشامب" وقدراته الإبداعية كثيرًا على تصوير التاريخ المعماري للمدينة بشكل صادق، وتمرر لنا بشكل واضح التفاصيل كافة التي تفيد في دراسة تاريخ المدينة في العصور الوسطى والحديثة.
وتسعى ذاكرة مصر لاستعادة هذا التاريخ المجهول لواحدة من كبريات مدن العالم القديم، من خلال تقديم مخطوط نادر لم يسبق له النشر في أي من دول العالم تقدم وصفًا لمدينة الإسكندرية مطلع العصور الحديثة فى نهاية القرن السابع عشر، رسمها رحالة غير معروف يدعى "برتنشامب" ينتمي للأقاليم الجنوبية من مملكة بلجيكا الناطقة بالفرنسية، كان في مهمة أوكلت إليه من ملك فرنسا في سنة 1740 لدراسة الشرق، وتحديد المسار لمصر تمهيدًا للغزو والتوسع الاستعماري الذي نفذّه نابليون بونابرت.
كان هذا المخطوط الذي رسمه "برتنشامب"، سنة 1740، محفوظًا في المكتبة الخاصة بالملك فاروق الأول، والذي ورثه عن والده الملك فؤاد الأول، حيث أهدى له هذا المخطوط ملك بلجيكا، ألبرت الأول، أثناء زيارته للإسكندرية عام 1930؛ حيث أقام في قصر أنطونياديس داخل حدائق النزهة في الإسكندرية.
كان منها هذا المخطوط النادر، والذى تمت مصادرته بعد ثورة يوليو/تموز في 1952، وأُلحق بمكتبة وزارة الإرشاد القومي "الإعلام"، ومصلحة السياحة، ضمن مجموعة من الكتب التي تمت مصادرتها من العائلة المالكة، وأهُدى هذا المخطوط لمكتبة الإسكندرية، ضمن مشروع ذاكرة مصر المعاصرة بإدارة المشاريع الخاصة، ضمن مجموعة وثائق وكتب خاصة بالملك فاروق.
و صدر مصنفات عن عمران مدينة الإسكندرية في عصرها الإسلامي، وتحديدًا في أواخر العصر العثماني، من هنا تتأكد قيمته وأهميته؛ من حيث إنه زودنا بصورة واضحة لحالة المنشآت الأثرية فى مختلف العصور الإسلامية وأوضاعها فى تلك الحقبة قبل اندثارها بشكل أو بآخر وقبل قدوم الحملة الفرنسية على مصر بـ58 عامًا.
رسم "برتنشامب" لمدينة الإسكندرية 24 لوحة، ومنها 19 لوحة تمثل المعالم الأثرية الإسلامية الباقية والمعروفة فى المدينة فى العصر العثمانى، وتشتمل على خريطتين للثغر والجزيرة الخضراء، وبعضها لوحات مزدوجة تمثل إذا ما جُمعت معًا منظرًا بانوراميًّا للمدينة القديمة ككل أُخذت من فوق فندق الفرنسيين، الذى أقام به برتنشامب.
وكان منها ما يمثل مناظر لقلعة قايتباي، ومبنى الديوان، وفندق الفرنسيين، والميناء الشرقي، والحصون والأسوار الموجودة في المدينة، ومسجد العطارين، وصهريجًا في المدينة.