واشنطن ـ مصر اليوم
تتسرّب جزيئات الغلاف الجوي للأرض إلى الفضاء بصورة مستمرة، غير أن بحثاً علمياً جديداً يكشف أن هذه الجزيئات لا تختفي في عتمة الكون، بل تشقّ طريقها نحو القمر لتستقر في طبقات تربته وتتراكم هناك على مدى مليارات السنين.
وهو ما يجعل القمر في حقيقته أرشيفاً كيميائياً حياً لتاريخ الغلاف الجوي للأرض، قد يُخبرنا بما لم تعد الأرض نفسها قادرة على إخبارنا به.
وأجرى الدراسة فريق من جامعة روتشستر بقيادة طالب الدراسات العليا شوبهونكار باراماني، اعتمد على محاكاة حاسوبية دقيقة تتبّع مسار الذرات المشحونة في رحلتها من الغلاف الجوي الأرضي إلى سطح القمر. ونشرت النتائج في مجلة Communications Earth & Environment.
يبدأ المشهد في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، حيث تسلب أشعة الشمس الإلكتروناتِ من ذرات الهواء، محوّلةً إياها إلى جسيمات مشحونة تستجيب للقوى المغناطيسية والكهربائية.
وتتولّى الرياح الشمسية، وهي تيار متواصل من الجسيمات السريعة المنبثقة من الشمس، اصطياد بعض هذه الجسيمات المأيونة واجتيافها بعيداً.
والمغناطيسية الأرضية التي تحمي الغلاف الجوي في العادة تنقلب أحياناً إلى قناة توصيل، إذ يتمدد الغلاف الجوي العلوي تحت وطأة الضغط المغناطيسي ليكشف عن مساحات أوسع للتسرّب.
وحدّد الباحثون توقيتاً بعينه تبلغ فيه هذه العملية ذروتها؛ وهو حين يعبر القمر الذيلَ المغناطيسي للأرض، أي الامتداد الليلي الطويل للمجال المغناطيسي الأرضي في الاتجاه المعاكس للشمس.
المسار المغناطيسي الشهري لنقل الغلاف الجوي إلى القمر - المصدر : shutterstock
وخلال هذا العبور الذي يتزامن مع اكتمال القمر تقريباً، تتحول خطوط المجال المغناطيسي إلى ممرات توجّه ذرات الأكسجين والنيتروجين وغيرها من الجسيمات المشحونة نحو السطح القمري.
وأظهرت المحاكاة أن هذا النقل يبلغ كفاءته القصوى خلال بضعة أيام في الشهر فحسب، وهي فترة وجيزة لكنها كافية لضمان تدفق منتظم وإن كان محدوداً.
تُغطي سطح القمر طبقة من التربة الرخوة المعروفة بالريغوليث، تكوّنت جراء ملايين السنين من القصف النيزكي.
وفي غياب غلاف جوي كثيف يعترض الجسيمات الواردة، تعمل هذه التربة بوصفها مصيدة طبيعية لكل ما يصلها من الفضاء؛ إذ تخترق الذرات المشحونة حبيبات الغبار وتنغرس في طبقاتها السطحية الضحلة، قبل أن تحكمها الاصطدامات مع المادة الصلبة وتحول دون انبثاقها من جديد.
وتُسهم موجات الارتطام المتعاقبة في دفن الحبيبات الأقدم تحت طبقات حديثة، حافظةً على بصماتها الكيميائية بمنأى عن عوامل التغيير.
واستعان الفريق البحثي بعينات التربة التي أحضرتها بعثتا أبولو 14 وأبولو 17 للتحقق من نتائج المحاكاة الحاسوبية، إذ كشف تحليل النظائر المشعة وهي ذرات العنصر ذاته بأوزان مختلفة عن بصمات كيميائية تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك المنسوبة للرياح الشمسية، مما يُرجّح أنها ذات منشأ أرضي أصيل.
وأكد باراماني أن هذا التمييز جوهري لأن كلا المصدرين يُوصلان عناصر متشابهة، لكنهما يتركان بصمات نظيرية مختلفة تماماً.
قد يهمك ايضاً