بغداد ـ مصر اليوم
مع اقتراب الاستحقاق الدستوري لاختيار رئيس وزراء جديد في العراق، يجد "الإطار التنسيقي" نفسه أمام واحدة من أكثر المحطات حساسية منذ تشكيله، وذلك في ظل تحديات سياسية داخلية وضغوط إقليمية ودولية متصاعدة.ورغم امتلاك الإطار أغلبية برلمانية تُخوّله حسم تسمية مرشحه، إلا أن التباينات بين مكوناته، وتعدد الرؤى بشأن شكل المرحلة المقبلة، جعلا من حسم الخلافات بشأن رئيس الحكومة المقبل اختباراً حقيقياً في الحفاظ على تماسكه وتقديم رؤية موحدة لإدارة البلاد.
داخل أروقة "الإطار التنسيقي"، لا يبدو المشهد متجانساً كما يُوحي التماسك الظاهري، إذ تتوزع المواقف بين قوى تدفع باتجاه التجديد لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، باعتباره يُمثل حالة من الاستقرار النسبي، وأخرى ترى أن المرحلة المقبلة تتطلب وجوهاً جديدة قادرة على التعامل مع تحديات مختلفة، سواءً على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو حتى الشعبي.
ولا يقتصر هذا التباين على الأسماء فقط، بل يمتد إلى طبيعة المرحلة نفسها، حيث تختلف تقديرات القوى السياسية بشأن أولويات الحكومة المقبلة، بين من يُركز على الاستقرار السياسي واستمرار النهج الحالي، ومن يرى ضرورة إحداث تغيير في الإدارة السياسية لمواكبة التحولات المتسارعة في الداخل والخارج.
ضغط الوقت والالتزام الدستوري
في ظل هذه التعقيدات، يبرز عامل الوقت كعنصر ضاغط على "الإطار التنسيقي"، مع اقتراب المدد الدستورية التي تلزم الكتلة الأكبر بتقديم مرشحها لرئاسة الوزراء.
وفي حديث، قال النائب في البرلمان العراقي ياسين العامري إن عملية اختيار المرشح "ليست بسيطة، لكنها لا تصل إلى مرحلة التعقيد"، مشيراً إلى أن أمام الإطار مهلة زمنية محدودة تفرض عليه الإسراع في حسم قراره.
وأضاف العامري أن المسؤولية تقع على عاتق قوى الإطار بوصفها الكتلة الأكبر في البرلمان، لافتاً إلى ضرورة الإيفاء بالالتزامات تجاه الدولة والمواطنين، وذلك "عبر تقديم مرشح يحظى بالقبول ويكون قادراً على تشكيل الحكومة ضمن الأطر الدستورية".
وتابع: "هذا الطرح يعكس إدراكاً داخل بعض أوساط الإطار لخطورة التأخير، وما قد يترتب عليه من تداعيات سياسية ودستورية".
تأثيرات إقليمية ودولية
إلى جانب الخلافات الداخلية، تُلقي التطورات الإقليمية والدولية بظلالها على مسار اختيار رئيس وزراء جديد، في ظل موقع العراق كفاعل جيوسياسي مؤثر في المنطقة.
وأوضح الباحث والأكاديمي جليل اللامي أن هناك "خلافات سياسية وشخصية داخل الإطار التنسيقي، فضلاً عن الضغوط الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر على التوافقات داخل الإطار.
وأوضح اللامي أن الولايات المتحدة ودولاً إقليمية تتابع عن كثب عملية اختيار رئيس الحكومة، لما للعراق من أهمية في معادلات التوازن الإقليمي، لافتاً إلى أن هذه التأثيرات تجعل من الصعب على الإطار حسم خياره بشكل منفرد، من دون مراعاة حسابات الخارج.
ويُظهر هذا المعطى مدى تعقيد المشهد العراقي، حيث لم تعد القرارات السياسية الكبرى محكومة فقط بالتوازنات الداخلية، بل باتت ترتبط أيضاً بمدى قبولها إقليمياً ودولياً، وهو ما يضع قيوداً إضافية أمام القوى السياسية في اختيار شخصية رئيس الوزراء.
في المقابل، تحاول بعض القوى داخل الإطار التقليل من حدة الانقسامات، عبر توصيف ما يجري بأنه تباين طبيعي في وجهات النظر، وليس خلافاً حاداً.
وفي تصريح لـ"الشرق"، أكد المتحدث باسم تحالف النصر أحمد الوندي أن ما يحدث "لا يمكن تسميته خلافات بقدر ما هو تباين في وجهات النظر"، مشيراً إلى أن النقاشات الحالية تأتي في سياق إدراك القوى السياسية لحساسية المرحلة المقبلة.
وأضاف الوندي أن القوى السياسية تسعى إلى تحديد مواصفات دقيقة لرئيس الوزراء، تتناسب مع التحديات المقبلة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية والأمنية المعقدة، فضلاً عن أجواء التوتر الإقليمي التي تلقي بظلالها على العراق.
ويعكس ذلك مساعي الإطار لاحتواء التباينات، ومنع تحولها إلى انقسامات حادة قد تؤثر على وحدة الموقف السياسي، خاصة في لحظة تتطلب قدراً عالياً من التوافق.
معايير داخلية وخارجية للمرشح
أحد أبرز الإشكالات التي تواجه الإطار التنسيقي يتمثل في تحديد المعايير التي يجب أن تتوفر في المرشح لرئاسة وزراء العراق، فإلى جانب الكفاءة والقدرة على إدارة الدولة، تبرز الحاجة إلى شخصية قادرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج.
وحول هذا الأمر، رأى المتحدث باسم تحالف النصر أن اختيار رئيس الوزراء يجب أن يأخذ بعين الاعتبار "القبول الإقليمي والدولي"، معتبراً أنه "من غير المنطقي الذهاب نحو شخصية جدلية قد تعقد المشهد السياسي". وفق هذا المنظور، لم يعد منصب رئيس الوزراء في العراق مجرد خيار داخلي، بل بات جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية.
وفي هذا السياق، يبدو أن "الإطار التنسيقي" يسعى إلى إنتاج مرشح "توافقي" قادر على إدارة المرحلة، من دون إثارة حساسيات داخلية أو خارجية، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة، خاصة مع تعدد الأطراف المؤثرة في القرار.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبقى سيناريوهات اختيار رئيس الوزراء مفتوحة على عدة احتمالات، تبدأ من حسم سريع لصالح مرشح توافقي، مروراً باستمرار الخلافات وتأجيل الحسم، وصولاً إلى فرض تسوية تحت ضغط الوقت أو العوامل الخارجية.
وترتبط المسارات بشكل كبير بقدرة الإطار التنسيقي على إدارة خلافاته الداخلية، والوصول إلى صيغة توافقية تحافظ على وحدته، وفي الوقت ذاته تستجيب لمتطلبات المرحلة.
في نهاية المطاف، يقف الإطار التنسيقي أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد تأجيل القرار خياراً متاحاً مع اقتراب المدد الدستورية، في وقت تتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الإقليمية والدولية.
وبينما تحاول قوى الإطار تقديم صورة متماسكة، تكشف الوقائع عن تعقيدات عميقة تجعل من اختيار رئيس الوزراء المقبل عملية سياسية مركبة، تتجاوز حدود التوافق التقليدي.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
تحالف "الإعمار والتنمية" بزعامة السوداني يتصدر الانتخابات العراقية