الأمير أندرو وشقيقته الأميرة آن خلال نشاط إجتماعي - الأسرة المالكة البريطانية في قصر وندسور في ضواحي لندن - الامير اندرو -

أثارت دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة بقضية رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، موجة واسعة من الجدل السياسي والحقوقي، بعد نشر ملايين الصفحات من الملفات التي تسلط الضوء على شبكة علاقاته الواسعة مع شخصيات بارزة في السياسة والاقتصاد والإعلام والثقافة، إضافة إلى تفاصيل غير مسبوقة عن فترة احتجازه قبل وفاته في السجن عام 2019.

وشملت الوثائق التي أُفرج عنها أكثر من ثلاثة ملايين صفحة، إلى جانب نحو 180 ألف صورة وألفي مقطع فيديو، بعضها لا يعود لإبستين وحده، بل لأشخاص آخرين من محيطه الاجتماعي والمهني. وأوضحت الجهات المعنية أن جزءاً من هذه المواد يتضمن محتوى تجارياً عاماً، في حين أن جزءاً آخر عبارة عن صور ومقاطع التقطها إبستين أو أشخاص مقربون منه. وبذلك يصل إجمالي المواد المنشورة إلى ما يقارب ثلاثة ملايين ونصف المليون صفحة، في إطار الالتزام بقوانين الشفافية، وإن جاء ذلك بعد انتهاء المهلة القانونية المحددة.

ورغم تأكيد الجهات الرسمية أنها أوفت بمتطلبات القانون بعد هذا النشر، فإن أصواتاً سياسية وحقوقية، لا سيما من الحزب الديمقراطي، شككت في اكتمال الإفراج عن الوثائق، مشيرة إلى أن ما يقارب 2.5 مليون ملف إضافي لا يزال محجوباً دون مبرر كافٍ. كما رأى قطاع من الرأي العام أن استمرار حجب بعض الملفات يعزز الشكوك حول وجود حماية ممنهجة لشخصيات نافذة ارتبط اسمها بإبستين.

وفي هذا السياق، أصدر عدد من الناجين من اعتداءات إبستين بياناً مشتركاً أدانوا فيه طريقة نشر الوثائق، معتبرين أن الكشف المتكرر عن أسمائهم أو بياناتهم التعريفية يشكل إعادة إيذاء نفسي لهم، في وقت لا تزال فيه أسماء رجال متورطين أو متواطئين غير معلنة. وأكد البيان أن العدالة الحقيقية لا تتحقق ما لم يُكشف عن جميع الوثائق المطلوبة قانوناً، وما لم تتم محاسبة كل من شارك أو سهّل تلك الجرائم.

ومن بين أبرز ما ورد في الملفات وثائق تتعلق بشريكة إبستين السابقة غيسلين ماكسويل، التي تقضي حالياً عقوبة بالسجن لمدة 20 عاماً بعد إدانتها بتجنيد فتيات قاصرات والاتجار بهن لأغراض الاستغلال الجنسي. وتضمنت الملفات شهادة تجنيسها بالجنسية الأمريكية، والتي أُدرج فيها عنوان منزلها على جزيرة “ليتل سانت جيمس” المملوكة لإبستين، كما وُصفت مهنتها بأنها تعمل لديه بصفة “مديرة”. وكشفت مراسلات أخرى عن امتلاكها طائرتي هليكوبتر وطائرة خاصة، إضافة إلى صور التقطت لها عند احتجازها عام 2020، تتضمن تفاصيل شخصية وأسماء مستعارة والتهم الموجهة ضدها.

وأظهرت الوثائق أيضاً مراسلات تعود إلى عام 2010 تتعلق بترتيب لقاءات اجتماعية بين إبستين وشخصية موقعة باسم “الدوق”، في إشارة إلى الأمير البريطاني السابق أندرو، تضمنت اقتراحات لعشاء خاص في لندن، بل وحتى في قصر باكنغهام، بهدف ضمان الخصوصية. ولا تشير هذه المراسلات إلى ارتكاب أي مخالفة جنائية، فيما لا يزال الأمير السابق ينفي أي تورط في جرائم إبستين، وسط دعوات سياسية متواصلة لمثوله للإدلاء بشهادته.

كما ورد اسم الزوجة السابقة للأمير أندرو، سارة فيرغسون، في عدد من رسائل البريد الإلكتروني، تضمنت عبارات ودية وطلبات لقاء، من دون وجود ما يشير إلى مخالفات قانونية. ولم يصدر عنها تعليق مباشر حتى الآن.

وظهرت في الوثائق أسماء شخصيات اقتصادية عالمية، من بينها بيل غيتس، حيث تضمنت الملفات رسائل إلكترونية مثيرة للجدل نُسبت إلى إبستين، تحمل ادعاءات غير مؤكدة بحق غيتس. وقد رد الأخير عبر متحدث باسمه، واصفاً هذه الادعاءات بأنها كاذبة وسخيفة، مؤكداً أن الوثائق تعكس إحباط إبستين من انقطاع التواصل معه.

كما كشفت الوثائق عن مراسلات مع إيلون ماسك تتعلق بزيارة محتملة لجزيرة إبستين، أُلغيت لاحقاً لأسباب لوجستية، وأكد ماسك لاحقاً أنه رفض مراراً دعوات لزيارة الجزيرة أو السفر على متن طائرة إبستين، مشدداً على محدودية تواصله معه.

وورد اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات المرات في الملفات، ضمن بلاغات وشكاوى تلقاها مكتب التحقيقات الفيدرالي، كثير منها غير موثق ودون أدلة. ونفت الجهات الرسمية صحة هذه الادعاءات، مؤكدة أنها لا أساس لها من الصحة ولم تؤدِ إلى أي اتهامات جنائية.

كما ظهرت صور للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع إبستين تعود إلى عقود مضت، ورد كلينتون بالتأكيد على أنه قطع علاقته بإبستين قبل انكشاف جرائمه، معلناً استعداده للإدلاء بشهادته علناً أمام لجنة رقابية.

وشملت الملفات أسماء أكاديميين ومثقفين، من بينهم الفيلسوف نعوم تشومسكي، الذي أظهرت مراسلات أنه قدم نصائح إعلامية لإبستين عام 2019. وأوضحت زوجته لاحقاً أن إبستين استغل حسن نية تشومسكي في محاولة لتلميع صورته.

كما وردت أسماء شخصيات سياسية دولية مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، ورجال أعمال بارزين مثل ريتشارد برانسون، وسيرجي برين، وستيف بانون، ولاري سامرز، وغيرهم، في سياق مراسلات أو لقاءات اجتماعية أو مهنية، مع نفي معظمهم أي علم أو تورط في أنشطة غير قانونية.

وتضمنت الوثائق تفاصيل دقيقة عن فترة احتجاز إبستين في السجن قبل وفاته، شملت إخفاقات إجرائية خطيرة، من بينها تعطّل كاميرات المراقبة، وعدم إجراء جولات التفقد الإلزامية، ووضعه في زنزانة انفرادية رغم توصيات بعدم ذلك. وأشارت الإفادات إلى سلوكيات وصفت بالتلاعبية من جانب إبستين، وإلى شكوك أُثيرت قبل وفاته بأسابيع.

وأكدت الجهات الرسمية أن مئات المحامين والمختصين عملوا لأسابيع طويلة لمراجعة هذه الملفات، مشددين على أن بعض المعلومات حُجبت عمداً لحماية الضحايا، أو لاحتوائها على مواد حساسة، أو لارتباطها بتحقيقات جارية، كما فُرض شرط تأكيد العمر القانوني قبل الاطلاع على الوثائق المنشورة.

ومع استمرار نشر الوثائق، يتواصل الجدل حول ما إذا كان ما كُشف يمثل الصورة الكاملة لقضية إبستين، أو مجرد جزء منها، في ظل مطالب متصاعدة بالكشف الكامل والمساءلة الشاملة، بما يضمن إنصاف الضحايا ومحاسبة كل من أسهم أو تستر على واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للصدمة في العصر الحديث.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

ستارمر يعتذر لضحايا إبستين بسبب تعيين ماندلسون سفيرا في واشنطن

الغارديان تكشف عن أسماء شركات وادي السليكون العملاقة في ملفات إبستين