توقيت القاهرة المحلي 03:07:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رواية "ليالي الحرير" تَعْبُر على المرض في صفحات

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - رواية ليالي الحرير تَعْبُر على المرض في صفحات

الرباط - وكالات

في روايتها الأولى «ليالي الحرير» تأخذ الشاعرة المغربية عائشة البصري قارئها إلى أغوار النفس البشرية لتسرد ما يختلج في ذات امرأة مكسورة الجناح، تحاول أن تستعيد ذاتها وقوتها والانطلاق بعيدا عن أسرَّة المرض وردهات المستشفيات. ففي هذه الرواية الصادرة حديثا بعد عدد من المجموعات الشعرية، تعبر البصري عن انكسارات المرأة وضعفها أمام طاغوت المرض، وصراع المشاعر والمواقف التي تعتمل في الذات، عبر لغتها الشعرية بصورها وإيحاءاتها. ومن أجواء الرواية الصادرة عن دار المصرية اللبنانية وتقع في 183 صفحة من القطع المتوسط، نقرأ: «قبل الذهاب إلى مشفى، لابد من طقوس معينة، العادة تقول: نظف نفسك جيدا، نظف روحك فقد تدخل ماشيا على رجليك وتخرج محمولا على محفة. يحدث هذا في مستشفيات مغربية، على الخصوص. كُلْ جيدا، فهم يبدؤون في شفط دمك منذ دخولك حتى خروجك. لابد أن تتوفر الحقيبة، إضافة إلى مشط وفرشاة أسنان، على قنينة عطر. رائحة المعقمات والأدوية تثيران الغثيان، منامة واحدة تكفي. فهم يقدمون لك كل يوم بذلة، الوردي للنساء والأزرق للرجال. في العناية المركزة لك الحق في غطاء للرأس، غالبا يكون من نفس اللون، حرصا على أناقة أكثر. ثم، لا تنس قلما وأوراقا بيضاء، فلا أحد سيدون موتك غيرك. الطريق إلى المشافي يكون دائما كئيبا وثقيلا، لكنه في باريس أقل كآبة. خصوصا في يوم كالرابع عشر من يوليو. حيث تختفي باريس الرومانسية وتحل محلها باريس العسكرية. قبل أن نصل إلى بُولْفارْ دُولُبيطال الهادئ نسبيا، استطعت أن أرى من خلال نافذة التاكسي، واجهات البنايات، والمكتبات، والمقاهي، والمراكب الطافية على نهر السين، مزهوة بألوان العلم الفرنسي، ومرصعة بمصابيح بكل الألوان والأشكال. اكتظاظ أمام محطات المترو. أناس عائدون جماعات من الشانزليزيه. أطفال يلوحون بأعلام صغيرة وحلوى غزل البنات. يومها ظل المطر يهطل بغزارة، حتى أربك الاستعراضات العسكرية، وغطى عنفه على أصوات الطائرات. إنه عيد الثورة، رحم فرنسا الحالية. العيد الذي يعتز به كل الفرنسيين، يمين ويسار، ويقدسونه. صوت «إيديتْ بْيَافْ « يتردد في داخلي، خلفية لهذه المشاهد الفريدة: «بَدامْ، بَدامْ.... دي جُوتيمْ دو كاتُّورْزْ جْوِيِّي... بَدامْ، بَدامْ، بَدامْ» بعد إجراءات الدخول، أخذتني ممرضة مرحة إلى غرفة انفرادية. فيها من الآثاث ما قََّل وَدَلَّ. سرير واحد، طاولة جانبية. دش ومرحاض ملحقان بالغرفة. منشفة وصابونة من النوع الرخيص جدا. بطبيعة الحال، كانت رائحة الأدوية والمطهرات تملأ المكان. إضاءة واحدة، فقط، في هذا المشهد الكئيب، شجرة تطل في خفر، من نافذة تطل بدورها على باحة خارجية، يتوسطها أصيص ورد. سخرت من نفسي، فلكثرة ما سكنت غرف المستشفيات، أصبحت أدقق في محتوياتها وأقارن بينها، بدل أن أحرص على جودة العلاج، وكفاءة الأطباء. رغم الاختلاف تبقى جميعها غرفا بيضاء مفتوحة على احتمالات الموت أو الحياة. لكنني لم أنس أبدا أول غرفة قرَّبتني من الموت. في تلك الليلة لم يكن الموت أبيض كما هو عليه الآن، بل كان أحمر بلون الدم الذي كان يملأ طستا بعد آخر، ويغطي الملاءات وبذلات الأطباء البيضاء. وكنت أنا أسبح في ندف من القطن الناعم والدافئ تأخذني بعيدا. لم أسمع الصرخة الأولى للمولودة المغادرة لأحشائي، فقد كنت حينها أراقب مقايضة واضحة بين الموت والحياة، مقايضة تتطلب روحا مقابل روح. لم تحسم المقايضة إلا عند مطلع الفجر، حين أوقف الطبيب آلة بجانبي، وأزاح ستار النافذة ليفسح الطريق لخيط ضوء كي يلامس سريري وهو يخاطبني: صباح الخير سيدتي، اليوم ولدتِ من جديد، لقد أعطاك الرب عمرا آخر. لم أبتهج حينها، لأنني كنت على يقين، أن أي تعديل في الطبيعة، أو تحويل لمجرى الأقدار، يؤدي بالضرورة إلى زيف العمر المضاف. طرق خفيف على الباب. دخل رجل أشقر وطويل بدرجة لافتة. أنيق وحسن الهيئة، إلى درجة أنني ظننته طبيبا. ـ أنا جانْ بْييرْ، أنسق بين المطبخ والمرضى-قدم الرجل نفسه- مسلمة أليس كذلك؟ سأل وهو يلقي نظرة على ملف بيده للتأكد. ـ إضافة إلى بعض الخضر التي تحتوي على الفيتامين «ك» ولحم الخنزير. والملح، هل لي أن أعرف الأطعمة الأخرى التي لا تأكلينها؟ -آكل كل شيء، فقط، لو قليل من الملح. -ليس ممكنا مدام، تعليمات الطبيب تؤكد ذلك. قال وهو يدون ملاحظاته بابتسامة ودودة. بعده مباشرة دخلت الممرضة. إطلالتها المرحة تذيب صقيع الغرفة. قاست الضغط والحرارة. دونت النتائج على الرسم البياني عند قدم السرير. أخذت عينة من الدم، وزعتها على خمس قنينات صغيرة. - المغرب بلد جميل، قالت دون مقدمات، عندكم على الأقل لا تمطر في شهر يوليو. في أواخر السبعينيات، رافقت بعثة طبية إلى هناك، قضينا سنة كاملة في نواحي ورزازات، نجوب القرى النائية. كان الشغل مكثفا، انتشار الأمراض والبؤس حينذاك، لم يدع لي مجالا للسياحة. الناس كانوا يسكنون بعيدين عن المراكز الحضرية. مرة، اضطررنا لأن نخيط رحم امرأة، في ضوء الشموع. تمزق رحمها خلال ولادة عسيرة لثلاثة توائم، تخيلي ذلك، في خيمة من القصب والقش، بلا ماء ولا كهرباء. كانت ليلة لا تنسى. رغم جمال الطبيعة والجو الدافئ، فقد عدتُ وأنا لم أرَ من المغرب إلا ذلك الوجه القاتم. منذئذ، وأنا أحلم بقضاء عطلة في المغرب. انشغالات الحياة، الأولاد، العائلة، العمل. لم تسمح لي الظروف إلا هذه السنة. رتبت أنا وشلة من الممرضات، سفرا إلى مراكش في شهر سبتمبر. يحكون أن المغرب تطور كثيرا، أليس كذلك؟ -نعم، لكن ليس بالقدر الكافي. ليس في كل المجالات، والدليل أنني هنا للتطبيب. العقليات لم تتغير. -ربما أنتم الآن، في حاجة لِدكَتُّورْزْ جْوِيِّي بجلابة مغربية. وغمزت بعينها ضاحكة. وهي تنحني، لغرز حقنة في ذراعي، استطعتُ أن أقرأ الاسم على اليافطة الصغيرة فوق صدرها. - شكرا إرْمينْ. تبعها صوتي الممتن، قبل أن تختفي في الممر.

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رواية ليالي الحرير تَعْبُر على المرض في صفحات رواية ليالي الحرير تَعْبُر على المرض في صفحات



أحدث إطلالات الفنانة ياسمين صبري بإطلالة أنيقة

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 03:31 2021 الجمعة ,23 تموز / يوليو

حقائب كتف جلدية لكل يوم من مجموعات صيف 2021
  مصر اليوم - حقائب كتف جلدية لكل يوم من مجموعات صيف 2021

GMT 14:40 2021 الثلاثاء ,27 تموز / يوليو

موديلات ورق جدران فخم لغرف نوم أنيقة
  مصر اليوم - موديلات ورق جدران فخم لغرف نوم أنيقة

GMT 09:16 2021 الأربعاء ,21 تموز / يوليو

مصري يحصل على أعلى وسام من إمبراطور اليابان
  مصر اليوم - مصري يحصل على أعلى وسام من إمبراطور اليابان

GMT 10:30 2021 الجمعة ,16 تموز / يوليو

فيسبوك تتيح إيموجي صوتية لتطبيق ماسنجر

GMT 11:07 2021 الجمعة ,16 تموز / يوليو

أبرز 5 سيارات مستعملة في السوق المصري

GMT 09:27 2021 الثلاثاء ,27 تموز / يوليو

نفوق أنثى فيل صغيرة في حديقة حيوان في فيينا

GMT 10:34 2021 الجمعة ,16 تموز / يوليو

5 سيارات سيدان موديل 2021 في السعودية

GMT 23:41 2021 الأحد ,11 تموز / يوليو

أفضل منتجات العناية بالبشرة بحسب النجمات

GMT 22:25 2021 الجمعة ,16 تموز / يوليو

7 مشكلات تواجه هواتف آيفون عند تحميل iOS 15

GMT 23:44 2021 الأحد ,11 تموز / يوليو

أجمل موديلات شنط صغيرة جداً لصيف 2021
 
Egypt-today
egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon