توقيت القاهرة المحلي 22:33:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

"سيدة" قصة قصيرة لـ عبير درويش

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - سيدة قصة قصيرة لـ عبير درويش

سيدة قصة قصيرة لـ عبير درويش
القاهرة – مصر اليوم

وضعت إبهامها على حافة الكوب، وباليد الأخرى باحتراف اعتلت "البراد" الداخن؛ وتحسست منفذ البخار المتلظي، فأرخت يدها للوراء ممسكةً بتلابيب اليد المعزولة؛ لترفعه إلى الكوب الآنف ضبطه بمؤشر الإبهام، وظلت تسكب حتى قبيل لمس الماء المغلي لإصبعها؛ وأعادت كلٍ لموضعه؛ وباشرت التقليب؛ ثم الارتشاف بنهم وهي تبتسم ساخرة مني، وكأنما تراني تعلو وجهي الدهشة من كيفية تتناغم مع ظلامها، ومثلي تتخبط في خفوت إنارة حجرة عالم كامل، ما سمعته من أمي عنها أنها "سيدة".

تلك الأرملة الكفيفة التي تعيش في المنزل المتهدم؛ وتتناوب على زيارتها شباب وفتيات الجوار بناءً على توصية ذويهم.. ما اسمك خالتي ؟

"سيدة": لا تتعجبي صغيرتي.. كنت أبصر؛ وكنت شابة جميلة وفتية.. هيه؛ ترملت ولم أرث غير 8 من الأفواه الجائعة؛ ولم أكن مثلكن أقرأ وأكتب وأرتاد الجامعة؛ بل امرأة ريفية جنوبية الموطن والرأس والقبيلة.. لم أملك خيارًا بين أن أترك فلذات كبدي لأهل زوجي كما نصحني أبناء جلدتي.. أو البقاء بالمدينة؛ واحتال على قوتهم وقوتي.. وتبادر لي إعجاب الجيرة من الحضر بما أصنع من خبز شمسي وبتاو وفايش.. والخبز الأسمر الملدن.

المرحوم زوجي أخلص في صنع فرن طيني وأغشاه بالفخار؛ كان يتفاخر أمام أقرانه بأنه يهنأ بما أبرع فيه.. قررت.. سأخبز.. هكذا مزجت أملي وملحي واختمرت الصبر؛ وساعدني أبنائي الخمس، "وهي تشير بكف يدها إلى وجهي" في تجميع مخلفات العصير ومحلات النجارة ليلًا، وكل ما يمكن أن تلتهمه نار فرني الغالي؛ وساعدتني بناتي في العجن وتقطيع الخبز فجرًا.. هيه.. "اختبأت وراء لهيب فرني الطيني لأتجنب جهنم العوز".. وذاع صيتي بالحي؛ وأدمنوا خبزي وكعكي اليابس؛ ومادوا طراوة ولدانة خبزي الأسمر ورقاقي المشجوب بالحليب؛ وفطيري المختال في سمن الناهمين.. أبيع لمن يملك المال.. وأقايض بالحليب والبيض واللحم.. هيه.. وأحيانًا بحلاقة لذكر منهم؛ أو قطع من الصابون النابلسي.. ولا تتعجبي فوق ذلك السطح المتهدم كنت أملك ما يقرب المزرعة من ديكة وبط وأوز.. كنت أرقب فقسهم؛ وأطعمهم بقايا فلذاتي.. في ذلك المنزل الذي يبدو لكِ حطامًا؛ علمت أولادي إلى حد التباهي بهم في أعين أعمامهم المتخاذلين وأخوالهم المستنكرين.. وزوجت بناتي زيجات ترفع لها الهامة وتستقيم؛ وليس سترًا فقط.

ما سبب فقدانك للبصر خالتي ؟

البعض ظن أنه صهد فرني الغالي.. لكن السبب اتضح فيما بعد بأنه مضاعفات مرض السكر.. هيه.. الشقاء بنيتي كفيل بالهدم مثل فرني الغالي..

أنا ركام ورماد الآن لا أكثر.

أين أبناؤك؟

سافروا جميعًا لكنهم يراسلونني.. اقرأي لي الرسائل فأبناء الجيرة عندما يسلمون الخطابات يقرأونها مرة واحدة شحيحة.. أرجوكِ أعيدي إلى مسامعي كلماتهم، وناولتني علبة كرتون خاصة بالأحذية مكتظة بالورق.. "الورق الأبيض الناصع تمامًا".

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سيدة قصة قصيرة لـ عبير درويش سيدة قصة قصيرة لـ عبير درويش



أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt