يثير التصعيد العسكري حول إيران مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، وسط تحذيرات من أن دخول أطراف جديدة إلى المواجهة قد يحول الحرب إلى صراع طويل ومعقد، في وقت تتزايد فيه المخاطر على إمدادات الطاقة العالمية والتوازنات الاستراتيجية بين القوى الكبرى.
ويرى الكاتب مارك تشامبيون أن دخول المقاتلين الأكراد إلى القتال ضد إيران قد يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة الحرب، إذ يمكن أن يؤدي إلى فتح جبهة برية داخل الأراضي الإيرانية ويحول الصراع إلى حرب ممتدة يصعب احتواؤها. ويشير إلى أن إطلاق تمرد كردي داخل إيران بهدف إسقاط النظام سيشكل تصعيداً خطيراً قد يدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
وبحسب التحليل، فإن هذا السيناريو قد يؤدي إلى صراع طويل لا يعتمد بالضرورة على نشر قوات أمريكية على الأرض، بل على دعم خارجي لحركات تمرد محلية قد تستمر لفترة طويلة. ويأتي ذلك في ظل استمرار المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.
ويشير الكاتب إلى أن تركيز الضربات الإسرائيلية على البنية الأمنية والسياسية داخل إيران قد يعكس هدفاً أوسع يتمثل في إضعاف النظام في طهران أو حتى إسقاطه. كما يلفت إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أبدى ترحيباً بمشاركة الأكراد في القتال، وتواصل مع قيادات كردية، في وقت تحدثت تقارير عن تحركات لقوات كردية قرب الحدود العراقية مع إيران، بينما نفذت طهران ضربات صاروخية استباقية ضد تلك القوات.
لكن الكاتب يحذر من أن إسقاط الأنظمة نادراً ما يتحقق من خلال القوة الجوية وحدها، إذ يعتمد في كثير من الأحيان على وجود تمرد داخلي على الأرض. ويستشهد في هذا السياق بتجربة ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي خلال الحرب الأهلية الليبية 2011، حيث أدى إسقاط النظام إلى سنوات من الفوضى وعدم الاستقرار.
كما يشير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة والأكراد اتسمت تاريخياً بالتقلب، إذ اعتمدت واشنطن عليهم في عدد من الصراعات الإقليمية لكنها تخلت عنهم في مراحل لاحقة عندما تغيرت حساباتها السياسية، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى خسائر كبيرة في صفوف المقاتلين الأكراد.
ويرى الكاتب أن دعم تمرد كردي قد يهدف إلى تشتيت قوات الحرس الثوري الإيراني وإضعاف النظام وربما تشجيع احتجاجات داخلية أوسع، إلا أن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة. فالمقاتلون الأكراد سيواجهون تضاريس صعبة في جبال زاغروس، وهو ما قد يجعل أي تقدم عسكري بطيئاً ومحدود التأثير.
كما يلفت إلى أن كثيراً من الإيرانيين، رغم معارضتهم للنظام، يتمتعون بنزعة قومية قوية، وقد ينظرون إلى تمرد مدعوم من الخارج باعتباره محاولة لتفكيك البلاد في دولة متعددة القوميات، ما قد يؤدي إلى تعزيز الالتفاف حول الدولة بدلاً من إضعافها.
وفي سياق متصل، يحذر خبير الطاقة دانيال يرغين من أن الحرب المتصاعدة في الخليج قد تعيد إلى الواجهة أحد أكثر السيناريوهات خطورة في أسواق الطاقة العالمية، وهو تعطل تدفق النفط والغاز من المنطقة التي تمثل أحد أهم مصادر الإمدادات العالمية.
ويشير إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية ونسبة مماثلة تقريباً من تجارة الغاز الطبيعي المسال، خاصة من قطر.
وقد تراجعت حركة الشحن في المضيق مع تصاعد التوترات والهجمات في المنطقة، بينما تتجه معظم صادرات الطاقة الخليجية إلى الأسواق الآسيوية. ففي العام الماضي ذهب أكثر من 80 في المئة من نفط الخليج وقرابة 90 في المئة من الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا.
ورغم أن التأثير الأكبر يطال الدول الآسيوية، فإن تداعيات الأزمة تمتد إلى الاقتصاد العالمي، إذ ارتفعت أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، ما يزيد الضغوط على الاقتصادات الكبرى ويهدد بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.
ويشير التحليل إلى أن أوروبا وأفريقيا تعتمد أيضاً بدرجة كبيرة على الخليج في إمدادات وقود الطائرات، ما يعني أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
ومع ذلك، يرى يرغين أن نظام الطاقة العالمي أصبح اليوم أكثر تنوعاً وقدرة على التكيف مقارنة بالأزمات السابقة، إذ تراجع دور إيران كمصدر رئيسي للنفط بسبب العقوبات، بينما تحولت الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين إلى أكبر منتج للنفط وأكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.
كما أن وجود مخزونات استراتيجية لدى الصين ودول وكالة الطاقة الدولية، إضافة إلى إنشاء خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط من الخليج دون المرور عبر مضيق هرمز، يوفر قدراً من الحماية في مواجهة الاضطرابات المحتملة.
وفي سياق آخر، يرى الكاتب ألكسندر كلاكسون أن التصعيد في إيران يضع الصين أمام اختبار استراتيجي مهم بسبب تداعياته على أمن الطاقة الصيني ومكانة بكين في الشرق الأوسط.
وتقوم العلاقة بين الصين وإيران إلى حد كبير على البراغماتية الاقتصادية، وقد تعززت خلال العقد الماضي ضمن إطار شراكة استراتيجية شاملة تشمل تعاوناً واسعاً في قطاع الطاقة ومشاريع بنية تحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق.
وتعد إيران مورداً مهماً للنفط بالنسبة للصين، إذ بلغ متوسط صادراتها نحو 1.38 مليون برميل يومياً خلال عام 2025، وغالباً ما تباع بأسعار مخفضة ساعدت طهران على الالتفاف على العقوبات.
لكن القلق الرئيسي لبكين يتمثل في أمن الطاقة، إذ تمر نسبة كبيرة من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز، ما يعني أن أي اضطراب في الملاحة أو ارتفاع تكاليف التأمين على الشحن قد يؤثر في المصافي الصينية وسلاسل الإمداد الصناعية.
كما أن أي تغيير سياسي في طهران قد يعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية، إذ قد تسعى حكومة إيرانية جديدة إلى إعادة التفاوض على عقود الطاقة أو توسيع علاقاتها مع شركاء آخرين إذا تحسنت علاقاتها مع الغرب.
ويرى الكاتب أن إيران تشكل أيضاً جزءاً من استراتيجية التوازن الصينية في الشرق الأوسط، حيث تحافظ بكين على علاقات مع مختلف القوى الإقليمية دون الانخراط في ترتيبات أمنية مباشرة.
وفي المقابل، قد يخلق الصراع بعض الفرص للصين إذا انشغلت الولايات المتحدة بشكل أكبر في الشرق الأوسط، ما قد يخفف الضغط الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إلا أن أي اضطراب واسع في الخليج سيؤثر في الاقتصاد العالمي، وهو ما سينعكس بدوره على الاقتصاد الصيني.
ويخلص التحليل إلى أن بكين ستواصل الدعوة إلى خفض التصعيد والاستعداد لمختلف السيناريوهات، مع تعزيز علاقاتها مع منتجي النفط الآخرين في الخليج لضمان تنويع الإمدادات، في حين ستتجنب الانخراط العسكري المباشر، إذ لا تزال استراتيجيتها في المنطقة قائمة أساساً على النفوذ الاقتصادي وليس القوة العسكرية.
قد يهمك أيضـــــــا :
منشآت النفط الإيرانية تتعرض لقصف إسرائيلي واندلاع حرائق هائلة ومشاهد مخيفة
أميركا قد تلجأ إلى النفط الروسي لزيادة الإمدادات في الأسواق
أرسل تعليقك