القاهرة - مصر اليوم
يمرّ الإنسان في حياته بلحظات من الضيق والهم، تتعثر فيها الأمور وتثقل النفس بالمخاوف والحزن، فلا يجد ملجأً أصدق ولا باباً أوسع من باب الله عز وجل، متوجهاً إليه بالدعاء والتوكل واليقين بحسن تدبيره. ويُعدّ دعاء تفريج الهم والكرب وتيسير الأمور من أعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، لما فيه من إظهار الافتقار الكامل إلى الله، والثقة برحمته وقدرته على كشف الضر وتبديل الحال.
وقد أكدت النصوص الشرعية أن تقوى الله من أعظم أسباب التيسير، قال تعالى: «ومن يتقِ الله يجعل له من أمره يسراً»، كما أن ذكر الله سبب مباشر لطمأنينة القلوب وزوال القلق والحزن، قال سبحانه: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب». ومن هذا المنطلق، وردت عن النبي محمد ﷺ صيغ متعددة من الأدعية الجامعة التي تُقال عند الهم والضيق، ومن أشهرها قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال»، وهو دعاء يجمع الاستعاذة من أسباب الضيق النفسي والعملي معاً.
كما علّم النبي ﷺ دعاءً عظيماً لتفريج الكرب وتيسير الأمور، فقال: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»، وهو دعاء يعكس كمال التوكل على الله والاعتراف بعجز النفس وحاجتها الدائمة إلى عون الله ورحمته. ومن الأدعية التي كان النبي ﷺ يرددها عند الكرب قوله: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم»، لما فيه من تعظيم الله وتفويض الأمر إليه.
وثبت كذلك عن النبي ﷺ دعاء عظيم الشأن لمن أصابه هم أو حزن، وفيه يقول العبد: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك… أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي»، وقد أخبر النبي ﷺ أن من قال هذا الدعاء أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً، وحثّ على تعلمه وحفظه لما له من أثر عظيم في تفريج الكرب.
ومن أعظم ما يُستعان به عند الشدائد دعاء نبي الله يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت: «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»، إذ جعل الله هذا الدعاء سبباً للاستجابة والنجاة، وما دعا به مكروب بإخلاص إلا فرّج الله عنه. كما وردت أذكار أخرى تُقال عند الكرب، منها قول: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»، وهي من دعوات المكروبين التي تجمع الرجاء والتسليم لله.
ويبرز التوكل على الله بوصفه ركناً أساسياً في تفريج الهم وتيسير الأمور، فهو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب، واليقين بأن الخير كله بيده سبحانه. فالمتوكل يعلم أن الله هو مجيب المضطر وكاشف السوء، وأن الفرج الحقيقي لا يكون إلا منه، قال تعالى: «ومن يتوكل على الله فهو حسبه»، أي كافيه ما أهمّه وأحزنه. كما أن التوكل سبب لدفع وساوس الشيطان، ونيل السكينة، والطمأنينة في مواجهة المستقبل دون خوف أو قلق.
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في بيان أثر التوكل، حين قال إن العبد لو توكل على الله حق توكله لرزقه كما يرزق الطير، تخرج في الصباح جائعة وتعود في المساء ممتلئة، في إشارة إلى أن الرزق والفرج بيد الله وحده. ولهذا فإن من فوّض أمره إلى الله، ورضي بقضائه، وداوم على الدعاء، عاش قلبه مطمئناً، مهما اشتدت عليه الأزمات.
ختاماً، يبقى الدعاء الصادق مع التوكل الحقيقي من أعظم مفاتيح تفريج الهم والكرب وتيسير الأمور، وهو زاد المؤمن في الشدائد، وسبب قربه من ربه، ويقينه بأن بعد العسر يسراً، وأن الفرج آتٍ لا محالة بإذن الله.


أرسل تعليقك