توقيت القاهرة المحلي 17:25:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان يحتفي بالمئوية الثانية لرائد النهضة العربية بطرس البستاني

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - لبنان يحتفي بالمئوية الثانية لرائد النهضة العربية بطرس البستاني

المعلم بطرس البستاني
بيروت - مصر اليوم

بعد مائتي سنة على ولادته، وفي ظروف عربية حالكة، يتذكر اللبنانيون «أبو التنوير» و«رائد رواد النهضة العربية» في بلاد الشام، الذي كان له السبق في تشريح سبب التأخر، وتعيين العلل ووصف العلاجات المعرفية، لا بل أكثر من ذلك، فقد كان هو المبادر إلى ابتكار الأدوات بنفسه، مجترحاً إنجازات تكاد تتساءل كيف يستطيعها رجل وحده.

قليلاً ما أعطي بطرس البستاني حقه، لبنانياً وعربياً، لا بل هناك من اتهمه بتغرب وتأورب لا يتناسبان ومجتمعه، مع أن الرجل لم يرحل إلى الغرب كما جبران ونعيمة، ولم ينس الخصوصية أو يضرب عرض الحائط بالدين، بل كان هو نفسه متديناً، ويلقي العظات يوم الأحد، لكنه عرف كيف يجعل الاهتمام بدنياه همّاً وطنياً ويتحلى بما يحسد عليه من الموضوعية والترفع. فهو الذي يقال عنه إنه اشتق كلمة «وطني» وإليه تنسب العبارة المأثورة عند اللبنانيين حين تشتد عليهم المحن الطائفية ويداوونها شفاهاً بمقولته الشهيرة: «الدين لله والوطن للجميع».

أربع وستون سنة عاشها البستاني (1819 - 1883) بكثافة وجد شديدين. منذ التاسعة عشرة بدأ نشاطه الفكري، كان أول من ألف موسوعة عربية حملت اسم «دائرة المعارف»، وأنشأ أول مجلة عربية ذات وزن، وأصدر الصحف التي كانت حينها أشبه بنشرات، ووضع أول قاموس عربي حديث سماه «محيط المحيط»، وفتح أول مدرسة وطنية في لبنان، ومختلطة أيضاً، يوم كان تعليم المرأة موضع جدال حارق، كما كان أول من نادى بتعليم النساء في منطقتنا مطالباً بالمساواة بين الجنسين في الحقوق، وكتب في الموضوع ما يستحق إعادة قراءته والتمعن فيه. وله أيضاً إسهام كبير في ترجمة الكتاب المقدس، وهو مناضل ذو كرامة وهمة، اشتغل من أجل وطن ومواطنية يوم كان مفهوم «المواطن» ضبابياً والأوطان لم ترتسم ملامحها بعد. مربكة سيرة البستاني لكثرة ما أنجز حتى تحار من أين تبدأ. معلم، مترجم، صحافي، أديب، مؤرخ، موسوعي، لغوي، مفكر، خطيب، هو كل هؤلاء فضلا عن دوره الاجتماعي وتأثيره السياسي.

أقرأ أيضًا:  

حصول لبنان على"جائزة اتصالات لكتاب الطفل 2017" لثلاث فئات رئيسية

كانت البداية من مدرسة «تحت السنديانة» حيث كان الخوارنة يعلمون الأطفال ما يستطيعون، ثم إلى مدرسة «عين ورقة» بعد أن أبدى تفوقاً، ليتعلم فيها بعض مبادئ السريانية واللاتينية والإيطالية والفلسفة والعلوم، وحين رأى بطريرك الطائفة المارونية أن يرسله إلى روما ليتعلم هناك رفضت والدته، وأبقته في لبنان وبدأ الاشتغال في التعليم والاجتهاد في الوقت ذاته، في تحصيل الإنجليزية. عام 1840 ترك بلدته الدبية في منطقة الشوف، التي ولد فيها وذهب إلى بيروت حيث ستقوده معرفته برجال الإرساليات البروتستانتية، إلى تقوية إنجليزيته وتعريب الكتب لهم، والإعجاب بمذهبهم حد اعتناقه. وسيعمل بعد ذلك مترجما في القنصلية البريطانية والأميركية حتى عام 1862. هذه العلاقات قادته لأن يكون ناشطاً ومشاركاً في كثير من الجمعيات الدينية والعلمية وفتحت له بابين واسعين: باب التعلم والتحصيل الذي كان لا يتخلف عنه أبداً، فدرس اليونانية والعبرية وقرأ كثيرا من الكتاب الغربيين، وباب العمل والكتابة والترجمة وإلقاء المحاضرات والخطب وكذلك التعليم في المدارس.

مجازر سنة 1860 بين المسيحيين من جهة، والدروز والمسلمين من جهة أخرى بطابعها التعصبي والمذهبي الدموي، تركت أكبر الأثر في نفس البستاني، وربما كانت دافعه الأكبر لتأسيس «المدرسة الوطنية» الأولى في لبنان عام 1863 وسط غابة المدارس الإرسالية، مجتذباً خيرة التلامذة من لبنان وسوريا ومصر وكل المناطق المحيطة بما فيها الأستانة. ترأس مدرسته التي ستكتسب شهرة ومصداقية، ودرّس فيها العربية والإنجليزية والفرنسية ولم يغفل التركيز على حسن الخلق ومكارم الأخلاق. فالغاية ما كانت لتتحقق لولا نجاحه في إنشاء جيل له انتماء لأرضه في لحظة عاصفة كانت سوريا كلها في مهب النفوذ العثماني والإنجليزي والفرنسي. من بعد المدرسة، كرّت سبحة مشاريعه الوطنية، فأصدر جريدته الصغيرة «نفير سوريا» وكذلك «الجنة» ومجلة «الجنان» نصف الشهرية، يعاونه دائماً كما في مشاريعه الأخرى ابنه سليم وبعض البساتنة من العائلة، ناظراً إلى استكمال مشاريعه بعد رحيله من خلال عائلته، لكن الموت المبكر لسليم سيكون بعد ذلك خسارة لهذا الحلم الذي لم يكتمل.

ولعل «محيط المحيط» هو المؤلف الذي بقي من بين أشهر ما تركه لنا المعلم، حيث أدخل عليه تحديثات عدة، راغباً هو المهجوس باللغة، في تقديم العربية بقالب سهل للمتعلمين. وهو وإن تجاوزه العصر اليوم، كان في مجلديه في ذاك الزمن متقدماً للغاية في تبسيط البحث عن المفردة ومعناها والأمثلة حولها، أو في إدخال كثير من المصطلحات الجديدة عليه. أما «دائرة المعارف» فوضع منها «أبو التنوير» ستة مجلدات محرزاً سبقاً في زمنه حيث لم تكن الموسوعات معروفة عربياً، واستكمل منها من بعده ابنه سليم خمسة مجلدات أخرى لكنها بقيت غير مكتملة.

تصعب الإحاطة بما أنجزه بطرس البستاني، وعن تأثيره في زمنه وبعده، فقد كان منتسباً لجمعيات كثيرة، ونشاطاته متشعبة، وأفكاره الفكرية والنهضوية سابقة لزمانه وأبناء جيله. وما تركه من مؤلفات، تتمحور رغم تنوع مواضيعها حول فكرة واحدة، هي النهوض، من خلال تبسيط المعرفة لتصبح في متناول الجميع، مما يشحذ الأذهان، ويبني جيلاً متنوراً. واعتبر البستاني اللغة، الأداة أو الوسيلة التي لا بد من امتلاكها. فكان له «مصباح الطالب في بحث المطالب» واختصره في «مفتاح المصباح»، واختصر «محيط المحيط» في «قطر المحيط»، كما وضع «آداب العرب» و«شرح ديوان المتنبي» وألف، إضافة إلى كتب كثيرة، «كشف الحجاب في علم الحساب». ومع أنه قليلاً ما يحكى عن اهتمام الرجل بالرياضيات، فإنه كان يولي هذا العلم اهتماماً خاصاً، ويعتبره عماداً، شارحاً أن «من لا يعلقون على الحساب كبير منفعة... فقد وقعوا في شطط عظيم».

وبمناسبة مرور 200 سنة على ولادة بطرس البستاني عقد اجتماع تأسيسي للهيئة الوطنية لإحياء الذكرى المئوية الثانية لميلاد المعلم في بيروت، وبدأت التحضيرات لحفل كبير سيقام في مايو (أيار) المقبل، كما تسعى وزارة الثقافة اللبنانية لوضع برنامج يتضمن فعاليات وأنشطة في مختلف المناطق، رغبة في إعادة التذكير بأفكار الرجل التنويرية، وسيرته الفريدة. فلقد طال الوقت الذي أهمل فيه بطرس البستاني، ولم يعط حقه رغم أن ما ناضل من أجله قبل قرنين لا يزال، لسوء الحظ، عصياً على التحقق، ومن التمنيات الوطنية الكبيرة التي يؤمّل بأن تصبح واقعاً.

قد يهمك أيضًا :

تعرف على أسرار معنى كلمة "لبنان" ومن أين جاء أصل الكلمة

الدار المصرية اللبنانية تشيد بدور جائزة الشيخ زايد في إثراء الثقافة العربية

 

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان يحتفي بالمئوية الثانية لرائد النهضة العربية بطرس البستاني لبنان يحتفي بالمئوية الثانية لرائد النهضة العربية بطرس البستاني



هيفاء وهبي تتألق بإطلالات خضراء مستوحاة من جمال الربيع

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 11:22 2026 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

دعاء تحصين النفس من العين والحسد

GMT 00:46 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

إجراءات أمنية جديدة في مطار بيروت

GMT 04:37 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

ندى حسن تشرح الطرق الصحيحة للاهتمام بالبشرة

GMT 11:10 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ميتسوبيشي تكشف عن موعد طرح الأسطورة "باجيرو 2026"

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 19:18 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الطرق الصحيحة لتنظيف الأثاث الجلد

GMT 03:51 2021 الجمعة ,19 شباط / فبراير

هند صبري تكشف عن تفاصيل مسلسل "عايزة أطلق"

GMT 04:23 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

باسم سمرة يوشك على الانتهاء من "دماغ شيطان"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt