ما زالت الكاتبة الأميركية الساخرة فران ليبوفيتز تحاول العودة للنوم، بعد أن قضت ليلة فاشلة لم تتمكن فيها من كتابة أي شيء يستحق الاحتفاظ به. في الساعة 12:30 ظهرا، يتصل عليها شخص يصف نفسه بمنتج للأفلام الكوميدية، ويطلب منها أن توظف حسها الساخر لتكتب نصا يمكن تحويله لفيلم كوميدي ناجح. ولكن الكاتبة ترفض وتسخر من فكرة المنتج، الذي قال إن عليها أن تأتي لمدينة لوس أنجليس «لنتكلم في هذا المشروع»، لترد عليه: «ماذا يعني أن نتكلم؟ نحن نتكلم الآن!»، ضحك المنتج وكرر عليها الطلب. وافقت هذه المرة، ولكن بشرط واحد فقط وهو «إذا فزت بجائزة نوبل للفيزياء!»، تغلق السماعة على أصداء قهقهاته، وتحاول من جديد العودة للنوم، ولكنها تفشل. تقرر النهوض. تخرج وتذهب للأصدقاء على أمل أن تعود للبيت وتستطيع كتابة شيء جيد. تعود لشقتها بعد ساعات، تمسك بالقلم وتحدق في الورقة طويلا، تنجح في كتابة العنوان، ولكن لا شيء بعد ذلك، تخربش على الهامش، ولكنها، وبعد وقت طويل، ما زالت تحدق في الورقة الفارغة. في الساعة الرابعة فجرا، لم تكتب أي شيء، تجول بنظراتها بيأس في المكان حولها، ومن ثم تنهار مقاومتها وتستسلم للنوم. تكتب «الكنبة تنتصر. فوز آخر للأثاث». هذه هي المقدمة الاعتذارية في كتابها المعنون بـ«قارئ فران ليبوفيتز» - عبارة عن مجموعة منوعة من المقالات - عن صعوبة الكتابة الإبداعية التي تجعلها تنتظر ساعات طويلة من دون أن تكتب حرفا واحدا. لذا، تقول في إحدى نصائحها المحبطة لمن يفكر في الكتابة: «قليل جدا من الناس من يملك الموهبة الفنية. إذا وجدت نفسك تحترق ولديك رغبة عارمة في الكتابة أو الرسم، ما عليك إلا أن تأكل قطعة من الحلوى وسيختفي مثل هذا الشعور. قصة حياتك لا تصنع كتابا جيدا. لا تفكر حتى في المحاولة». ولكن ليبوفيتز، التي نشرت عددا قليلا من الكتب، لا تعتبر نفسها من الفئة القليلة التي تملك مثل هذه القدرة الإبداعية. في إحدى مقابلاتها تقول إنها أكسل كاتبة في العالم، حيث تقضي الكثير من الوقت في الاستلقاء والقراءة، ومن دون أن تكتب كلمة واحدة. ولكنها تدرك الصعوبة البالغة في كتابة شيء حقيقي، لذا تقول إن أغلب الناس لديهم فكرة رومانسية سطحية عن الفن والإبداع، لهذا هم يندفعون للكتابة من دون تردد، لتمتلئ بعدها المكتبات بملايين الكتب الفارغة والساذجة. تتهكم ليبوفيتز على الغرائب والمفارقات الموجودة في الحياة، مثل أن صغار العمر يعتقدون أنهم يعلمون لأنهم فعلا لا يعلمون. لهذا، هم يرون كل شيء مختلفا كحدث جديد ومبهر. نفس هذا الحس الساخر الكئيب موجود لدى المخرج الشهير وودي ألن، الذي قال مرة بأنه في كل 100 سنة يموت كل الناس، كأنه يتم شفطهم من سطح الأرض، ليظهر بعدها ناس جدد مندهشون من الحياة ويطرحون ذات الأسئلة التي طرحها من سبقهم، ليتم بعد ذلك شفطهم من جديد، وهكذا هي الحياة. عندما يمل كبار السن ويشعرون بالعبثية وعدم جدوى الأشياء، يكون صغار العمر في ذروة اندهاشهم من الحياة. لذا، تقدم ليبوفيتز بعض النصائح التي قد تفيد هؤلاء الشباب. قد يشعر الواحد منهم بالإلهام الذي يأتيه في لحظات عاطفية ليدفعه للكتابة حتى يعبر عما بنفسه، ولكنها تنصحه بألا يفعل. تكتب: «إذا انبهرت بأشعة الشمس المنعكسة على سيارة مستخدمة في أحد المواقف، ورأيت في تلك الصورة ما يعبر عن المصير المحتوم للإنسانية. لا تقم، تحت أي ظرف من الظروف، بكتابة ذلك». إنه إلهام ساذج مخادع يغش فيه الكاتب نفسه، لذا تواصل سخريتها عبر تقديم عدد آخر من النصائح مثل: «إذا أردت أن تتقدم في الحياة. فاحصل على محام وليس على كتاب». وفي مكان آخر تكتب: «في الغالب أن الثروة والقوة هما نتيجة للتوالد، وليس للقراءة». هذه نافذة أخرى تغلقها لمن يعتقد أن امتهانه للكتابة سيدر عليه الملايين، التي تأتي في الغالب نتيجة الوراثة. ولكنها لا تتوقف عند ذلك، قلمها الشرير يسخر أيضا من الحالة الرومانسية الإلهامية التي يعتقد الكثير من الكتاب أنهم يعانونها ويتمزقون بسببها. تقول الكاتبة بأن العلامات التي تشير إلى أن شخصا ما سيصبح كاتبا تظهر منذ الولادة. أول كلمتين يقولهما الرضيع الذي سيصبح كاتبا في المستقبل هي «الأسبوع القادم» مما يعني أنه لم ينه كتابه أو مقالته التي تحتاج مزيدا من الحذف والإضافة. الرضيع الكاتب يرفض أن يأتي مع توأم من أجل أن يكون واضحا جدا. والرضيع الكاتب سيتأخر عن موعده في الولادة ثلاثة أسابيع على الأقل، لأن لديه مشاكل في التحرير! كتابات ليبوفيتز المؤلمة الساخرة منعكسة على شخصيتها المختلفة حتى شكليا. يظن من يراها لأول مرة أنها من الناشطات النسويات الملتزمات، ولكن يبدو أنها منزعجة من طنين المنظمات النسوية، حيث تقول: «طالبن بأن تكون المرأة الطرف الأقوى والصامت أيضا». تم طردها من الثانوية العامة، وتعتبر نفسها، وهي المدخنة بشراهة، من كبرى المدافعات عن حقوق المدخنين والمدخنات. أي شيء تعتقد أن لديك قناعة مريحة عنه تقوم بقلبه رأسا على عقب بطريقتها المتهكمة المزعجة. حتى فكرة الجمال الداخلي التي نحبها لكي تخفف علينا بشاعة أشكالنا، تقوم ليبوفيتز بسحبها منا، حيث تكتب: «معظم البشر غير جميلين. الخطأ الأكثر شيوعا في ما يتعلق بالمظهر، هو اعتقاد الفرد أن عليه أن يستخف بالجمال الشكلي حتى يشرق الجمال الحقيقي للروح. إذا كان بداخلك شيء يقول لك ذلك. فأنت لست بجذاب». لا تحب الحيوانات من أي نوع، هي أيضا «لا تحب فكرة الحيوانات نفسها!»، لذا وجودهم غير مرحب به في بيتها وتضعهم خارج قائمتها. وتضيف: «لا أريد لهم الأذى. لا أريد أن أضايقهم إذا لم يقوموا بمضايقتي.. يجب أن يبقوا في الخارج.. في الخارج لا يعني خارج البيت، ولكن في غابات أميركا الجنوبية. لماذا يأتون إلى هنا؟»، وتوجه بعد ذلك كلامها لملاك الحيوانات وخصوصا الكلاب، حيث توبخهم بالقول: «لا تخرج لتمشي الحاشية - الكلاب - المحيطة بك. قمت بتمشية نفسك». ولكنها بعد ذلك توجه حديثها مباشرة إلى الكلاب التي تم العبث بها. تقول لهم: «إذا كنت كلبا ومالكك اقترح أن يلبسك سترة. فاقترح عليه أن يرتدي ذيلا!». وتقدم أيضا بعض المعلومات للكلاب، حيث تكتب «من المؤكد أن الكلب الذي يعتقد أنه الصديق الوفي للإنسان، لم يقابل في حياته محامي الضرائب». وتوجه خطابها مباشرة للطيور، التي يعتقد غالبية الناس أن سجنها هو تعذيب لها لأنه يحد من حريتها وانطلاقها، ولكنها تعتقد العكس. تحسد الطائر وتخاطبه: «إذا كنت الطائر الوحيد في قفص من الذهب. فابدأ بعد الخيرات التي تنعم بها». وتشعر أيضا بمأساة طائر البوم الذي بات يحجز في البيوت على اعتبار أنه طائر أليف.. تبدي المؤلفة تعاطفها وتخاطبها: «إذا كانت طائر بوم وتم حبسك في البيت كطائر أليف. فإنني أدعم رغبتك الشديدة في الصراخ». وماذا عن الشعور بالسعادة والسلام الداخلي الذي ينشده الجميع في الحياة؟ هذا غير موجود في قاموس ليبوفيتز، التي تؤكد أنه «لا يوجد هناك ما يسمى السلام الداخلي. هناك فقط القلق أو الموت. أي محاولة لإثبات العكس ستحتوي على سلوكيات غير مقبولة». هي أيضا لا تحب الطبيعة وليست من الأشخاص الذين ينادون بالعودة لها. في الواقع، هي من الأشخاص الذين ينادون بالعودة للفنادق! هي أيضا تكره الطبيعة لأن ليس فيها كراسي مريحة للجلوس! يتوهم الشخص أن لديه شيئا داخليا يميزه عن بقية البشر. هذا أيضا غير صحيح بالنسبة لها. الشيء الوحيد الفريد في كل إنسان هو قدمه أو قدمها التي لا تشبه قدم أي شخص آخر في الكون. هذه الكاتبة المجنونة سحبت منا كل شيء وتريد منا الآن أن نفتخر فقط بفرادة أقدامنا!