الأمير السابق أندرو

في واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل العائلة المالكة البريطانية، يجد الملك تشارلز الثالث نفسه في موقف معقد يجمع بين الواجب الدستوري والروابط العائلية، بعدما وُضع شقيقه الأصغر الأمير أندرو في قلب تحقيقات وفضائح أعادت إلى الواجهة علاقته برجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين.
لو كان أندرو سياسياً أو مسؤولاً تنفيذياً في مؤسسة كبرى، لربما أُقيل سريعاً وطويت صفحته، لكن طبيعة العائلة المالكة تجعل القطيعة أمراً بالغ التعقيد؛ فلا يمكن "إقالة" فرد من عائلته، إذ تبقى الروابط قائمة في لحظات الميلاد والزواج والوفاة، مهما بلغت حدة الأزمات.
في هذه القصة يتقاطع العام بالخاص: شقيقان مختلفان في الطباع والمسؤوليات، يقفان اليوم على طرفي نقيض في ظل تحقيقات جنائية وضغوط إعلامية غير مسبوقة. وقد علّق الملك على تطورات القضية قائلاً إن العائلة تقدم "دعماً كاملاً وصادقاً وتعاوناً تاماً"، مؤكداً في الوقت ذاته أن "القانون يجب أن يأخذ مجراه"، في رسالة واضحة بأن المكانة الملكية لا تعني الحصانة.
الأمير أندرو نفى مراراً ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين، إلا أن تداعيات القضية وضعت شقيقه الأكبر في موقف بالغ الحساسية، إذ اضطر إلى اتخاذ مسافة علنية منه حفاظاً على صورة المؤسسة الملكية.
وبحسب مصادر مطلعة، لا ينوي الملك الانكفاء أو تجنب الظهور العلني، بل سيواصل أداء واجباته الرسمية وحضور المناسبات العامة، في إشارة إلى أن المؤسسة مستمرة رغم العاصفة.
خلال الأشهر الماضية، تعامل الملك مع أزمة شقيقه بمزيج من الحزم والمرونة. فقد سعى قبل أكثر من عام ونصف إلى إخراج أندرو من مقر إقامته في "رويال لودج" في ويندسور، في خطوة وُصفت داخل الأوساط الملكية بـ"حصار رويال لودج"، حيث جرى تقليص الدعم المالي المقدم له لدفعه إلى المغادرة.
وبعد موجة الجدل التي أعقبت نشر وثائق جديدة مرتبطة بإبستين، اضطر أندرو إلى ترك المقر، لكن الملك تدخل لاحقاً لتأمين مسكن خاص له على نفقته الشخصية، وليس من المال العام، في مؤشر إلى استمرار شعوره بالمسؤولية تجاه شقيقه رغم كل شيء.
الموقف ازداد تعقيداً مع ظهور مخاوف بشأن الحالة النفسية لأندرو، الذي بدا منهكاً في الصور التي التُقطت له بعد الإفراج عنه، ما أثار تساؤلات حول التوازن بين الدعم العائلي ومتطلبات المساءلة القانونية.
البيان الملكي حاول رسم خط فاصل بين أفراد العائلة الذين يؤدون واجبات رسمية وبين أندرو الذي يواجه إجراءات قانونية، في محاولة لحماية المؤسسة من تداعيات القضية.
القصة، لو كانت عملاً درامياً، لبدأت من الطفولة: أندرو الطفل الجريء الصاخب الذي قيل إنه كان الأقرب إلى والدته، مقابل تشارلز الأخ الأكبر المتأمل والانطوائي الذي نشأ تحت عبء كونه وريثاً للعرش. وفي إحدى الروايات المنسوبة إلى جلسة في منزل إبستين في نيويورك، وصف أندرو نفسه بأنه "الاحتياطي"، في إشارة إلى موقعه خلف شقيقه في ترتيب الخلافة.
اليوم، وبعد عقود من التباين في المسارات، يجلس الوريث السابق على العرش، بينما يواجه "الاحتياطي" تدقيقاً واسعاً بشأن دوره السابق كمبعوث تجاري لبريطانيا، وهو المنصب الذي مُنح له عام 2001، رغم تحذيرات مبكرة من ملاءمته له. وانتهى هذا الدور عام 2011 على وقع الجدل المرتبط بعلاقته بإبستين.
ورغم تراجع أندرو عن الواجهة الرسمية، ظل جزءاً من المشهد الملكي في بعض المناسبات، ما أثار حرجاً متكرراً للمؤسسة، خصوصاً مع كل تطور جديد في القضية.
في خريف 2025، تصاعدت الأزمة مجدداً بعد الكشف عن رسائل إلكترونية أشارت إلى استمرار تواصل أندرو مع إبستين لفترة أطول مما كان معلناً، ما دفع الملك إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة شملت تجريده من أدوار رسمية وإبعاده عن الحياة العامة.
ورغم تكهنات بأن ولي العهد كان وراء هذه الخطوات، أكدت مصادر أن القرار جاء من الملك نفسه، في دلالة على حسم شخصي في إدارة الأزمة.
الضغوط لم تقتصر على الجانب القانوني؛ فكلما حاول الملك تسليط الضوء على مشاريعه المتعلقة بالبيئة والتناغم مع الطبيعة، طغت أخبار أندرو وملفات إبستين على العناوين. وحتى حين كان الأمير وليام يتحدث عن أهمية القدوة، عادت الأنظار إلى السؤال ذاته: ماذا عن عمّه؟
في النهاية، تبقى الملكية مؤسسة عائلية بامتياز، وحين تتصادم الروابط الشخصية مع متطلبات المنصب، يصبح الفصل بينهما مهمة شبه مستحيلة. هذا الأسبوع، بدا واضحاً أن الواجب العام تقدّم على الاعتبارات العائلية، وأن العرش اختار أن يحمي نفسه، حتى لو كان الثمن مزيداً من التباعد بين شقيقين جمعتهما طفولة واحدة وفرّقتهما الأقدار.

قد يهمك أيضـــــــــــا

الشرطة البريطانية تفتش قصر أندرو ماونتباتن وندسور بعد القبض عليه على خلفية فضيحة إبستين

 

ترامب يصف اعتقال الأمير أندرو بأنه محزن ويؤكد قرب زيارة الملك تشارلز الثالث للولايات المتحدة