المتحف المصري

يعود الحزب "الوطني" المنحل إلى تفجير المشكلات، فبعد صراع محتدم استمر لثلاثة أعوام، بين وزارة الآثار ومحافظة القاهرة ومجلس الشورى، وبعض الأحزاب والمستثمرين، بشأن أحقيّة كل منهم في الاستحواذ على أرض الحزب، التي تقدر بالملايين، أصدر رئيس الوزراء إبراهيم محلب قرارًا بضمها إلى الآثار، وهدم مبنى الحزب المحترق، واعتبار الأرض ملك المتحف المصري.
وأثار قرار محلب موجة جديدة من الاحتجاجات، من طرف جهاز التنسيق الحضاري، الذي أكّد رئيسه سمير غريب أنَّ "مبنى الحزب الوطني المقام في كورنيش النيل مسجل كمبنى تراثي متميز"، مشيرًا إلى أنّه "لا يجوز هدّمه إطلاقاً، طبقاً للقانون رقم 144، ويجب إعادة ترميمه".
وأوضح غريب أنَّ "لجنة المباني الآيلة للسقوط في محافظة القاهرة فحصت المبنى، وأكّدت أنّه غير آيل للسقوط، ولا يمكن هدمه قانونًا، لاسيما أنَّ المبنى مسجل كطراز معماري متميز، وما تناقلته وسائل الإعلام بشأن أنَّ المبنى لا يصلح للترميم غير صحيح"، مشيرًا إلى أنَّ "نخبة من أساتذة الهندسة سيصدرون، خلال ساعات، بيانًا يتضمن ملاباسات القضية، وفداحة الجرم الذي نرتكبة عبر هدم المبنى".
وفي سياق متصل، أشارت أستاذ العمارة في كلية الهندسة، جامعة القاهرة، ورئيس إدارة البحوث والدراسات في جهاز التنسيق الحضاري، سهير حواس إلى أنَّ "المبنى مسجل كطراز معماري متميّز، وله واجهة على النيل، ويلاصق من الخلف المتحف المصري، وكان مقرًا لبلدية القاهرة، منذ نهاية عام 1952، ثم مقرًا للاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، وكان ملكًا لمحافظة القاهرة، وتم تأجير أجزاء منه للبنوك، والحزب الوطني، ومجلس الأعلى للصحافة، والمجلس القومي للمرأة، ومجلس حقوق الإنسان، ومجلس الشورى، والمنظمة الاقتصادية، وتمَّ حرقه أثناء ثورة 25 يناير".
وشدّدت حواس على أنَّ "المبنى جزء من مكونات البنية المعمارية لميدان التحرير، وللأسف ارتبط المكان ذهنيًا مع الحزب الوطني"، مشيرة إلى أنّ "جهاز التنسيق الحضاري أرسل لجنة لزيارة المبنى، وهو سليم، وغير آيل للسقوط".
وطالبت بـ"التروي في اتخاذ قرار، والتأني، لأن الأحداث التي نعيشها الأن قد تطغى على القرار، والمبنى يمكن إعادة توظيفه، من الداخل والخارج".
ومن جانبه، أكّد منسق حركة "شباب الثورة" عمرو الحضري، التي قدّمت مقترحًا بتحويل المبنى إلى برج ضخم، يماثل الأبراج العالمية، في عام 2011، أنَّ "موقع مبنى الحزب الوطني مميّز، في وسط القاهرة، وقريب من ميدان التحرير، الذي يعدُّ رمزًا للثورة".
وأشار إلى أنَّ "المقترح تضمّن تحويل المبنى إلى برج ضخم، يضمُّ متحفًا للثوار الذين استشهدوا، وما تمَّ جمعة من الميدان، فضلاً عن الصور التي توثق تاريخ نهضة شباب مصر، على أن يتم تصميمه بشكل يبرز الكفاح، ويوضح الوحدة الوطنية".
وكشف رئيس قطاع المتاحف أحمد شرف عن أنّه "حتى هذه اللحظة لم يصله أي قرار من مجلس الوزراء"، مشيرًا إلى أنَّ "هناك ضبابية تحيط بالأمر، لاسيما أنَّ الأرض تحوي ثلاثة مباني، ولا نعرف أي مبنى منهم سوف يتم هدمه".
ولفت إلى أنَّ "اجتماعًا سيضم وزير الآثار ورؤساء القطاعات، الأحد، بغية مناقشة القرار"، مبيّنًا أنَّ "المشروع المقترح أن تقيمه وزارة الآثار يتضمن إعادة صياغة التصميم الداخلي للقاعات، والتنسيق العام للحديقة المتحفية، والتي سوف تتضمن أرض مقر الحزب الوطني المحترق، وذلك عبر إضافتها للحديقة المتحفية، وإنشاء بازارات، ومطاعم، على مستوى راقٍ".
وأضاف "يشمل المشروع أيضًا إنشاء نفق، يصل مَرسَى المراكب النيلية إلى داخل الحديقة المتحفية، بغية تجنّب مرور زوار المراكب عرض الطريق، والوصول مباشرة من النيل إلى حديقة المتحف، فضلاً عن إنشاء منافذ للتذاكر، وبوابات إلكترونية داخل النفق، سواء من ناحية نهر النيل أو عند مدخل المتحف من اتجاه ميدان التحرير، وإزالة المكاتب الأمامية التي تحجب رؤية المتحف من الخارج، ونقل التماثيل المتكدسة في الجانب الشرقي من الحديقة المتحفية إلى المقر الجديد".
يأتي هذا فيما تدرس وزارة الآثار مقترحًا بتوأمة المتحف مع مبنى آخر، مماثل له، على المساحة المتبقية، بغية توسعة المتحف، الذي يضم ما يقرب من 5 آلاف قطعة أثرية، ويحوي أندر الكنوز الفرعونية.
وأكّد وزير الآثار الدكتور محمد إبراهيم أنَّ "القرار يأتي في إطار حرص الدولة على دعم المتحف"، مشيرًا إلى أنَّ "رئيس الحكومة فضل منح مبنى الحزب الوطني المحترق على الكورنيش لوزارة الآثار، على بيعها لأي شركة استثمار، أو تحويلها لمشروع استثماري"، موضحًا أنّ "إصدار القرار بتخصيص مبنى الحزب للآثار، رغم قيمتها المالية الكبيرة، وإمكان بيعها بملايين لمستثمر، يعدُّ دليلاً على التزام من محلب بالدستور، وتفعيلاً للمادة 49 منه، التي تلزم الدولة بالحفاظ على الآثار، في كل مؤسساتها".
وأضاف إبراهيم أنَّ "الأرض سوف تمثل امتدادًا لحرم المتحف، الذي يعدُّ في حد ذاته مبنى أثريًا"، مبيّنًا أنَّ "الأرض هي حق خالص للآثار، منذ بناء المتحف أوائل القرن الماضي، حيث كانت الأرض المقام عليها ميناء خاصًا بالمتحف، بغية استقبال المراكب المحملة بالآثار، من الأقصر وأسوان، إضافة إلى الاحتفالات الشعبية والرسمية لاستقبال المومياوات الفرعونية الملكية المكتشفة"، مشيرًا إلى أنّه "عقب قيام ثورة يوليو عام 1952، تمَّ اقتطاع هذا الجزء، بغية إقامة مبنى الاتحاد الاشتراكي، والذي تحوّل بعد ذلك إلى الحزب الوطني، في عهد الرؤساء جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك".
يذكر أنَّ المبنى، الذي يضم إجمالاً 24 جهة إدارية تابعة للدولة، قد شهد خلال الفترة الماضية، التي أعقبت احتراقه في أحداث ثورة "25 يناير"، حالة من النزاع، حيث طالبت محافظة القاهرة بضمه لمشروع توسعة ميدان التحرير، وفي عهد "الإخوان" طالب مجلس الشورى المنحل بإقامة فندق سياحي، وتحويل المبنى الملحق به إلى مجموعة إدارات تابعة للمجلس، كما تمّ تقديم اقتراح من شركة "إيجوث" السياحية، بغية إقامة فندق عالمي، بتكلفة 400 مليون جنيه، إلى وزارة الاستثمار، من خلال تأسيس شركة تضم وزارة الأثار، وبنكين من القطاع العام، هما "الأهلي المصري" و"بنك مصر"، وفي المقابل تتنازل الشركة لوزارة الآثار عن قطعة مجاورة، ملك الشركة، قرب مشروع المتحف المصري الكبير تحت الإنشاء.