صعّدت الجماعة الحوثية، الجمعة، هجماتها ضد القوات الحكومية اليمنية في محافظة مأرب (شرق صنعاء) غداة هجوم واسع شنته بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على مواقع عسكرية في مأرب وحضرموت، في أخطر تصعيد ميداني يشهده اليمن منذ سنوات، وسط مخاوف من انهيار التهدئة القائمة منذ عام 2022، وتصاعد الدعوات الشعبية والسياسية إلى مواجهة عسكرية شاملة مع الجماعة.
وأفاد سكان محليون بأن صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت، الجمعة، مواقع للقوات الحكومية في مأرب؛ حيث سُمع دوي انفجارات متتالية في محيط المدينة، وبالقرب من مخيمات النازحين؛ إذ شوهدت أعمدة دخان تتصاعد من المنطقة، بالتزامن مع هجمات استهدفت مديرية حريب في المحافظة نفسها.
وفي حين تحدّثت مصادر ميدانية عن سقوط قتلى وجرحى جرّاء الهجمات، بينهم نازحون، أعلنت قناة «سبأ» الحكومية أن الدفاعات الجوية للقوات المسلحة أسقطت عدداً من الطائرات المسيّرة المفخخة التي أطلقتها الجماعة الحوثية في أجواء مدينة مأرب، وقالت إن الجماعة قصفت المدينة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مشيرة إلى أن مأرب تضم أكبر تجمع للنازحين في اليمن.
ويأتي الهجوم الجديد غداة هجوم واسع شنته الجماعة، الخميس، على معسكرات ووحدات للقوات المسلحة اليمنية في محافظتي مأرب وحضرموت، في تصعيد عدّته مصادر يمنية الأخطر منذ بدء التهدئة الميدانية التي أوقفت إلى حد كبير العمليات البرية الواسعة منذ 2022.
وقالت وزارة الدفاع اليمنية، في بيان، إن الهجوم الحوثي وقع عند الساعة 10:40 من صباح الخميس، واستخدمت فيه صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، واستهدف عدداً من المعسكرات والوحدات العسكرية المنتشرة في المحافظتين.
وأوضح البيان أن المواقع المستهدفة كانت تضم قوات تؤدي مهام تتعلق بتأمين المناطق المحررة والطرق الدولية والتصدي لمخططات الجماعة وشبكات التهريب التابعة لها، مضيفة أن الهجوم أدّى إلى مقتل وإصابة عدد من أفراد القوات المسلحة.
وأكدت الوزارة أن القوات الحكومية «سترد على هذا العدوان في الزمان والمكان المناسبين»، مشددة على أن الهجوم لن يؤثر في قدرة القوات على أداء مهامها، وأنها ستواصل ما تصفه بمعركة الدفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة.
وكانت مصادر ميدانية قد تحدثت عن مقتل وجرح عشرات العسكريين جرّاء الهجمات التي استهدفت مواقع لقوات الطوارئ و«درع الوطن» في المحافظتين، في حين قالت وزارة الدفاع اليمنية إن عدد القتلى 17 عسكرياً.
وجاء التصعيد في وقت كانت وزارة الدفاع اليمنية تنفذ حملة أمنية وعسكرية في المحافظات المحررة، خصوصاً حضرموت والمهرة، لملاحقة عصابات التهريب والخلايا الإجرامية، بعد سلسلة من الاغتيالات التي استهدفت عسكريين.
وقالت السلطات إن الحملة تستهدف تعزيز حضور الدولة وتأمين الطرق وحماية السكان، فيما أفاد المركز الإعلامي لقوات الطوارئ بأن الهجوم الحوثي جاء عقب نجاحات أمنية حققتها القوات الحكومية في ملاحقة مطلوبين وضبط شبكات تهريب.
العليمي يوجّه بالرد
في أعقاب هجمات، الخميس، قال مصدر مسؤول في مكتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن الأخير يتابع على مدار الساعة التطورات الميدانية، وإنه أجرى سلسلة اتصالات مع عضوي مجلس القيادة ومحافظي مأرب وحضرموت، سلطان العرادة وسالم الخنبشي، إضافة إلى القيادات العسكرية والأمنية في المحافظتين.
وحسب المصدر، ركّزت الاتصالات على تطورات الموقف الميداني ومستوى الجاهزية العسكرية والإجراءات المتخذة لاحتواء آثار الهجوم، بالتوازي مع استمرار القوات المسلحة في أداء مهامها.
ووجّه العليمي الحكومة والجهات العسكرية والأمنية والصحية بتسخير الإمكانات لرعاية الجرحى والمصابين، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتكريم القتلى ورعاية أسرهم، مؤكداً ضرورة الرد على مصدر التهديد.
ويأتي الموقف الرئاسي في ظل حالة غضب متزايدة في الشارع اليمني عقب الهجمات الأخيرة؛ حيث تصاعدت المطالبات باتخاذ إجراءات عسكرية أكثر حزماً وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الهجمات الحوثية باعتبارها حوادث منفصلة.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن استمرار الجماعة في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تحركات عسكرية وأمنية للقوات الحكومية، يفرض، من وجهة نظرهم، الانتقال إلى مرحلة أكثر شمولاً في التعامل مع الحوثيين.
مأرب تحت التهديد
ويحمل استهداف مأرب حساسية خاصة، بالنظر إلى موقع المحافظة في المعادلة العسكرية والاقتصادية والإنسانية اليمنية، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من النازحين فيها.
ويزيد استهداف المدينة بالصواريخ والمسيّرات من المخاوف بشأن سلامة المدنيين والنازحين، خصوصاً إذا اتسع نطاق الهجمات أو تحوّلت إلى نمط متكرر.
وكانت مأرب خلال سنوات الحرب من أبرز ساحات المواجهة بين القوات الحكومية والحوثيين، قبل أن تتراجع العمليات البرية الواسعة في أعقاب التهدئة التي دخلت حيّز التنفيذ في 2022.
ويثير تجدد استهداف مواقع القوات الحكومية في المحافظة -بالتزامن مع الهجمات على حضرموت- تساؤلات حول اتجاه الجماعة خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كان التصعيد الحالي سيظل في حدود الضربات بعيدة المدى، أم يتحول إلى عمليات ميدانية أوسع.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المحافظات الخاضعة للحكومة تحركات لإعادة تنظيم الوضعين الأمني والعسكري، وملاحقة شبكات التهريب والجريمة، وهي خطوات تقول الحكومة إنها تستهدف تعزيز سلطة الدولة وتأمين الطرق والمناطق الحيوية.
وتنظر الحكومة اليمنية إلى التصعيد الحوثي بوصفه جزءاً من نشاط أوسع للجماعة لا يقتصر على الجبهات الداخلية، خصوصاً مع استمرار هجماتها على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وما تسببه تلك الهجمات من تهديد لأمن الممرات البحرية الدولية.
وترى الحكومة أن تزامن النشاط العسكري الداخلي مع الهجمات البحرية يعكس استمرار الجماعة في استخدام القوة المسلحة بوصفها أداة لفرض أجندتها، في وقت لا تزال فيه الجهود السياسية الرامية إلى تثبيت التهدئة اليمنية تواجه تحديات متزايدة.
وبالنسبة إلى الشارع اليمني، أعادت هجمات الخميس والجمعة إلى الواجهة مخاوف العودة إلى سنوات الحرب المفتوحة، بعدما أدّت التهدئة خلال السنوات الماضية إلى خفض مستوى العمليات العسكرية الواسعة، رغم استمرار التوتر والمواجهات المتقطعة.
وفي حال استمرت الهجمات الحوثية فإن ذلك قد يضع التهدئة الميدانية القائمة منذ 2022 أمام أصعب اختبار لها، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب المطالب باستعادة زمام المبادرة العسكرية، وإنهاء الخطر الحوثي.
قد يمك أيضا
إسرائيل تعترض صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون
الجيش اليمني يسيطر على مواقع جديدة شمال غربي صنعاء
أرسل تعليقك