قاوم

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - قاوم

عمار علي حسن

لا يسمع الناس كثيرا عن المقاومة إلا بُعيَد الحروب وأثناءها وأيام الاحتلال وكذلك فى معرض الرد العملى على التسلط والاستبداد، مع أنهم لو أمعنوا النظر فى حياتهم، وفى مفردات الطبيعة، وكل شىء يجرى ويتم حولهم، بأيديهم أو بصنع غيرهم، لاكتشفوا أن الحياة نفسها خيار ناصع جلى للمقاومة. فنحن نحيا لنقاوم الفناء، ونتوالد ونتكاثر لنقاوم الانقراض، ونتكلم لنقاوم الصمت، ونتعلم لنقاوم الجهل، ونتداوى لنقاوم المرض، ونكدح ونكسب لنقاوم الفقر والعوز، ونفرح لنقاوم الحزن، ونعمر لنقاوم الخراب، ونبنى لنقاوم الهدم، ونجمل أنفسنا وما حولنا لنقاوم القبح، ونقبض على الحق لنقاوم الباطل فيزهق أو يتقهقر، ونفعل الخير لنقاوم الشر الطافح فى كل مكان وفى أى لحظة. وجسدنا نفسه يقاوم بعضه بعضا، فالمخ يكبح جماح الغرائز والعواطف إن تعدت حدودها الطبيعية، والعاطفة تناضل ضد التبلد والتحجر الذى يجعل الإنسان يشبه الجماد، وضد التجرد الذى ينزع عن الإنسان مشاعره الفياضة ويحوله إلى آلة، وجهاز المناعة يقاوم المرض، فتدخل كرات الدم البيضاء فى معارك حامية ضد الميكروبات والجراثيم حتى تتغلب عليها أو تهلك دونها، والكبد يكافح ضد السموم التى تتسرب إلى الجسم مع المأكولات والمشروبات والتنفس، والإرادة التى هى طاقة تمتزج فى صناعتها كل قوى الجسد، المحسوسة واللامحسوسة تقاوم أسباب القعود والرضوخ والتراخى والتفلت كافة. وكل تقدم حققه الإنسان فى هذه الحياة قام على أكتاف المقاومة، التى تبدأ بكلمة «لا» الرافضة لقبول الأمر الواقع إن كان متخلفا أو مهينا أو كريها. وكل ما يجرى حولنا نبت من رحم المقاومة، فالإنسان قاوم التصاقه الدائم بالأرض وجاذبيتها القوية فحاول أن يطير، وراح يجرب الطيران من دون كلل ولا ملل، ابتداء من عباس بن فرناس الذى ثبت أجنحة فى جسده وانتهاء بالمركبات الفضائية التى تجول على الكواكب مرورا بالأخوين رايت اللذين اخترعا طائرة بدائية بسيطة، هاهى تتطور حتى تصل إلى الحال التى هى عليها الآن، فى مقاومة لسلطان المكان على الناس. وقاوم الناس المسافات الطويلة بين القارات الست بثورة عارمة فى مجال الاتصال، حولت العالم بأسره إلى قرية صغيرة. وبالطريقة نفسها تقاوم كل الكائنات، فالنمل يقاوم البرد بتخزين قوته أيام الصيف، والأرانب البرية تقاوم أعداءها من الحيوانات المفترسة بحفر الجحور الطويلة فى الأرض، والقنفذ يقاوم بشوكه الأفواه المتأهبة لالتهامه، والسلحفاة تقاوم بجلدها السميك، ويقاوم الجمل نعومة الرمل بخفيه الطريين المفرطحين القويين فى الوقت نفسه، وفى المياه الدافقة تقاوم بعض الأسماك الصغيرة والرخوة بضخ شحنات كهربائية تبعد عنها الأسماك الكبيرة، أو تحتمى بالصخور البحرية المستقرة فى الأعماق. والأمر نفسه ينطبق إلى حد كبير على الجماد، فالشادوف يمتلئ بالماء ويقاوم كتلة الحجر المثبتة فى الطرف الآخر، وهذه الحال متكررة فى كل الروافع، فهناك ذراع القوة وذراع المقاومة، وكلما كان الأول أقصر من الثانى سهلت المهمة على الإنسان، والعكس صحيح تماما، وتتعدد أنواع هذه الروافع، فتتوزع عليها الأدوات والآلات التى نستخدمها فى حياتنا اليومية، وتقع عليها أعيننا فى كل مكان، وفيها جميعا تتجلى كل معانى المقاومة. والحياة كلها يترتب بعضها على بعض أو يقاوم كل منها الآخر، فيدفع الله الناس بعضهم ببعض حتى لا تتهدم صوامع وبيّع، وتتغذى الحيوانات فى الغابات على بعضها البعض، وكذلك الحشرات والطيور والزواحف، حتى لا يختل التوازن البيئى، ويتدخل الإنسان ليحمى الأرض الخصبة من التصحر، ويمنع الأطعمة من التعفن بالتبريد والتمليح والتسكير والتجفيف والتدخين والتخليل. وهناك قول مأثور منسوب إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه يجيب فيه عن سؤال حول أشد جند الله فيقول: الجبال، والجبال يقطعها الحديد، فالحديد أقوى، والنار تذيب الحديد، فالنار أقوى، والماء يطفئ النار، فالماء أقوى، والسحاب يحمل الماء، فالسحاب أقوى، والريح تعبث بالسحاب، فالريح أقوى، والإنسان يتكفؤ الريح بيديه وثوبه، فالإنسان أقوى، والنوم يغلب الإنسان، فالنوم أقوى، والهم يغلب النوم، فأقوى جند الله الهم يسلطه الله على من يشاء. وهذا الترتيب العجيب الذى يتداخل فيه المادى مع المعنوى يتأسس على المقاومة، فكل شىء يدفع ما قبله، فى سلسلة قد تستدير فى حياتنا الدنيا ولا تنتهى، إذ يمكن مقاومة الهموم بالاستغراق فى عمل مضن وشاق، ينجذب إليه كل كيان الإنسان تماما، وقد يكون هذا العمل هو تفتيت الصخر، وتكسير الأحجار، كما يفعل السجناء، فنعود إلى النقطة الأولى، ونبدأ منها دائرة دنيوية جديدة، تنطوى على أشكال وصنوف ودرجات لا تنتهى من المقاومة. قاوم فأنت بالمقاومة إنسان. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - قاوم   مصر اليوم - قاوم



  مصر اليوم -

خلال مهرجان "تريبيكا" السينمائي في نيويورك

الأسترالية جيسيكا هارت مثيرة في فتسان شانيل جرئ جدًا

نيويورك ـ مادلين سعاده
اعتادت العارضة الأسترالية جيسيكا هارت، أن تحول جميع الرؤوس نحوها على منصات عروض الأزياء والسجاد الأحمر، وفي يوم الإثنين، أثارت إعجاب الجميع مرة أخرى، عندما ارتدت فستان صغير شانيل جريء جدًا، في مهرجان "تريبيكا" السينمائي في نيويورك. ويبدو أن العارضة البالغة من العمر 31 عامًا، تخلت عن ملابسها الداخلية لتومض تلميحًا لمؤخرتها من الفستان المفتوح من الجانبين، تكلفته 6680 دولارًا، في حين حضرت عشاء شانيل للفنانين، وكان الفستان التويد بالألوان الزرقاء والوردية، مع شرائط وردية تربط كل من الجهتين الخلفية والأمامية ببعضهما البعض لعقد الثوب معًا.  وأنهت جيسيكا مظهرها بأحذية جلدية سوداء عالية الكعب وحقيبة شانيل سوداء، حيث عرضت التان الذهبي، وأظهرت عارضة فيكتوريا سيكريت السابقة، أقراطها عن طريق رفع شعرها الأشقر الطويل المضفر قبالة وجهها، ووضعت ماكياج برونزي وشفة وردية ناعمة.  ويأتي ذلك بعد أن فاجأت جيسيكا الجميع في ثوب من المخمل المارون، في حفل في نيويورك…

GMT 05:39 2017 الأربعاء ,26 إبريل / نيسان

"كينشو" على جزيرة ميكونوس جنة للراحة والاستجمام
  مصر اليوم - كينشو  على جزيرة ميكونوس جنة للراحة والاستجمام

GMT 07:54 2017 الأربعاء ,26 إبريل / نيسان

سامى شرف وطقوس الناصرية

GMT 07:53 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

للإرهاب وجوه متعددة

GMT 07:51 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

فرنسا تجدد نفسها

GMT 07:49 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

جيلنا...وسيناء!

GMT 07:48 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

صيغة المرشح العابر للأحزاب

GMT 07:46 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

صاروخ اسمه ميسى !

GMT 07:44 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

ما بعد قمة الرياض

GMT 07:43 2017 الثلاثاء ,25 إبريل / نيسان

نعم لـ «اللا دولة» و«الـلا ســـيـــادة»
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 13:35 2017 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

4 قطع تحتاجها كل سيدة عنها من أجل مظهر رياضي

GMT 15:38 2017 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

خمس بلدات يتجه إليها سكان إسبانيا لقضاء العُطلة

GMT 05:29 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

جاكلين عقيقي تؤكد العراق تسير نحو الاستقرار
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم
egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon