"دعبول" من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة

لا تنطبق اشتراطات البطل التراجيدي أو الإشكالي على شخصية دعبول على الرغم من حياته المأساوية المُفجعة حيث وجد نفسه وحيدا مُشرّدا بعد أن ماتت أمه وأخته «بدرية» في الحريق الذي امتدّ إلى منزلهم من المستودع الإنكليزي في «باب السيف». قد يتعاطف القارئ مع هذه الشخصية الشعبية، لكنه لا يحاول تقليدها أو تقمّصها، وربما يكون السبب الرئيسي في عدم اعتناق مثل هذه الشخصيات هو هامشيتها، وانسحابها إلى الحافات والمناطق المهملة التي لا تثير شهية الآخرين، ولكنها تثير في القارئ «الشفقة والخوف» كما يذهب أرسطو. يأخذ دعبول من البطل الإشكالي بعضا من خصائصه المعروفة مثل «السعي نحو القيم الأصيلة، بينما يعيش هو في عالم متفسِّخ»، كما أنه لا يصل إلى تحقيق هدفه المنشود، وقد يتخاذل إلى الدرجة التي يقترب فيها من البطل السلبي الذي يفكر كثيرا، ويفعل قليلا، أو ربما لا يصدر عنه أي فعل على الإطلاق. يمكن اعتبار دعبول شخصية بايرونية لأن «بطلها يغرق في الوحدة والغموض، ونادرا ما تراه يبتسم، أو تسمعه يتأوّه». وعلى الرغم من توفر بعض الأجواء الرومانسية لدعبول، إلا أن مساحتها الضيقة لا تتيح لنا القول إنه بطل رومانسي، ذلك لأنه يعيش الأجواء الرومانسية في أحلامه الفنتازية ومخيلته المشتعلة جرّاء الوجد الشديد أو التجليات العاطفية أكثر مما يعيشها على أرض الواقع. إذن، يمكننا أن نطلق على دعبول توصيف البطل السلبي الذي يكتفي بردود الفعل المحدودة التي تظل تدور في ذهنه ومخيلته من دون أن يقوم بأي فعل يُذكر. * البنية المتداخلة * لا تعتمد رواية «دعبول» على خط زمني مستقيم، فالرواية قائمة في جزء كبير منها على فعل التذكر والاسترجاعات الذهنية. وحينما يُطل علينا دعبول في مستهل الرواية نراه رجلا يعاقر الخمر، ولا ينادم إلا صديقه علي الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية مترفة، لكنه وجد في دعبول ضالته المنشودة. وبغية توضيح هذه البنية المتداخلة لا بد لنا من اختصار قصة الرواية. فدعبول الذي فقد أمه وأخته وجد نفسه مشردا في مزارع الزهاوي التي لا يدري كيف وصل إليها، ثم نلتقيه عند عربانة عزوري التي يبيع فيها المأكولات حيث يناديه عزوري بضمير المخاطب المؤنث متصورا أنه فتاة بسبب شعره الطويل. لم يجد دعبول ضيرا في أن يتخفى وراء مظهر فتاة، وأن يستعير اسم أخته «بدرية» التي قضت نحبها في الحريق. وحينما تروق له هذه الشخصية المُستعارة يتقنّع بشخصية بائع الفجل لاحقا كي يتابع حركة مصطفى الدلال الذي يخطط للإيقاع بسليمة الخبازة، وسلب ثروتها سواء تلك التي جمعتها بشق الأنفس أم التي ورثتها من زوجها الطاعن في السن الذي فارق الحياة. لا تخلو هذه الشخصية المقنّعة لدعبول من مفارقات ومواقف طريفة فحينما أرادت «رحلو»، زوجة عزّوري أن تصطحبه إلى حمّام النساء هرب لكي لا ينكشف أمره فالتجأ إلى بيت حفيظة حتى لا تنكشف شخصيته الحقيقية. وحينما تقرر حفيظة أن تذهب لزيارة مرقد الكاظم وتترك طفليها الصغيرين حيدر وفاطمة مع بدرية ينكشف أمرها أو أمره. لا يجد دعبول بُدا من الهرب إلى منزل بدري وسكينة اللذين عاملاه بالحسنى، ورعيا موهبته الموسيقية التي اكتشفاها حينما عزف على العود وغنّى أول مرة في منزل حفيظة قبل أن تكتشف ذكورته المموهة وراء شعره الطويل وملابسه الأنثوية. تتطور علاقة دعبول مع هذه العائلة السورية، لكن التحقيقات الجنائية تثبت مشاركته في لقاءات مريبة لا تحبذها الدولة، عند ذلك يقرر العودة إلى دمشق ليترك وراءه هذا الشاب الذي لم يعتد مواجهة الحياة من دون العودة لاستشارة بدري وسكينة اللذين أمدّاه بالمعرفة الحياتية التي تتجاوز العزف والغناء إلى ضرورة تعلّم القراءة والكتابة، والدعوة إلى العلم هي بحد ذاتها حدث قدسي من وجهة نظر دعبول الذي بدأ يكتسب خبرات عميقة تمتد من تعلم العزف، وغناء المقامات المتنوعة، إلى إتقان النجارة، وصناعة الأعواد، هذا إضافة إلى سويعات الصمت والتأمل التي يقضيها لوحده أو بصحبه رفيقه ونديمه المفضّل علي. وحينما يموت هذا الأخير يرفض دعبول الإقرار بموته أو المشاركة بدفنه على المذهب الذي لم يؤمن به طوال حياته، فلقد غيّر علي مذهبه واتبّع مذهب الراهبة التي صادفها بالقرب من نهر الكانجي. إن قصة حب دعبول تزدهر من طرف واحد، فهو الذي كان يعاني بصمت من دون أن يمتلك القدرة على البوح. فمذ رأى عنقها البض، وساعديها البيضاوين حينما كانت تخبز ذات مرة تعلّق بها وأحبها، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بأنه يطارد شبحا لا وجود له، خصوصا حينما تزوجت ذلك الرجل السامرائي الذي أخذها وتوارى عن الأنظار. إن الجانب الإشكالي في هذه القصة العاطفية التي تتأجج من طرف واحد يمكن صياغته بالسؤال التالي: «عمَّ يبحث دعبول في سليمة، هل يبحث عنها حقا أم عن أمه أو أخته فيها»؟ كان هناك هاتف داخلي ينبئه بأنها لا بد أن تعود ثانية إلى المضارب التي نشأت فيها، وأحبتها، وكرّست جل حياتها لها. وبالفعل صدقت نبوءته وعادت فتنكّر ثانية بشخصية بائع الفجل كي يراها أو يسمع صوتها في الأقل، هذا الصوت الجميل الذي أسره على مدى سنوات طويلة. يحاول دعبول أن ينقذها من فخاخ مصطفى الدلال وألاعيبه التي تنصّب على توفير الحماية والأمان والرزق الوفير، لكن أنّى له أن يفعل ذلك وهو الذي يستجير بسكينة حتى في خياله وتمنياته العابرة التي يتساءل فيها ماذا عساه أن يفعل، فلا سند ولا ملاذ سوى كأس العرق، وأوتار العود، وبضعة مقامات لا تفلح في تبديد وحدته القاسية. * استعمال الحواس * إن ما يلفت الانتباه في رواية «دعبول» هو اللغة المهجنة المكتنزة التي تجمع بين الأدب والفن من جهة، وبين استعمال الحواس وتوظيفها بطريقة فنية معبِّرة جدا. فقد وظّفت بورتر الحواس الخمس برمتها، فمنذ مفتتح النص الروائي نرى دعبول وهو يميّز بين نغمات الجوزة والقانون، وبين مقام الصبا والبيات، وحينما يصبح عوّادا صار يعرف أنّ لكل عود وقعه الخاص الذي لا يميّزه حتى العازف المتمرس، بل صانعه الذي يضع فيه قطعة من فؤاده. ثمة أمثلة كثيرة لا يمكن حصرها على توظيف حاسة السمع، ولكننا سننتقل إلى بعض الحواس الأخرى لنؤكد صحة ما نذهب إليه. فحاسة البصر تأخذ قسطا لا يقل أهمية عن حاسة السمع، وهذه الهيمنة متأتية من كون الروائية أمل بورتر هي فنانة تشكيلية بالأساس فلا غرابة أن تحضر الألوان الحارة والباردة وانعكاسات أشعة الشمس وضياء القمر على صفحات مياه دجلة وشرائعها المتعددة، كما تحضر الزهور الملونة، وأوراق الأشجار اليانعة على الستائر، والوسائد، وأفرشة النوم، وأغلفة العود القماشية. لا بد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أن سليمة الخبازة هي شخصية مستعارة من رواية «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، أما بقية الشخصيات فهي حقيقية، لكنها وجدت طريقها إلى هذا النص الروائي بفعل المخيلة المتوهجة التي تتوفر عليها الروائية التي أفلحت في عملتي التناص والتلاقح مع رواية فرمان التي ورد ذكرها توا.

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة   مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة



  مصر اليوم -

خلال العرض الأول لسلسة "The Defiant Ones"

بريانكا شوبرا تُنافس ليبرتي روس بإطلالة سوداء غريبة

نيويورك ـ مادلين سعاده
نشرت صحيفة "ديلي ميل" البريطانية صورًا للنجمة بريانكا شوبرا خلال العرض الأول لسلسة  "The Defiant Ones"الذي عقد في مركز تايم وارنر فى مدينة نيويورك، الثلاثاء. وظهرت بريانكا، التي تبلغ من العمر 34 عامًا، بإطلالة غريبة حيث ارتديت سترة سوداء واسع، مع بنطال واسع أسود. واختارت بريانكا تسريحة جديدة أبرزت وجهها وكتفها المستقيم بشكل جذاب، كما أضفى مكياجها رقة لعيونها الداكنة التي أبرزتها مع الظل الأرجواني الداكن والكثير من اللون الأسود، بالإضافة إلى لون البرقوق غير لامع على شفتيها. وكان لها منافسة مع عارضة الأزياء والفنانة البريطانية، ليبرتي روس، التي خطفت الأنظار بالسجادة الحمراء في زي غريب حيث ارتدت زوجة جيمي أوفين، البالغة من العمر 38 عاما، زيًا من الجلد الأسود له رقبة على شكل طوق، وحمالة صدر مقطعة، وتنورة قصيرة متصلة بالأشرطة والاحزمة الذهبية. روس، التي خانها زوجها الأول روبرت ساندرز مع الممثلة كريستين ستيوارت، ظهرت بتسريحة شعر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

  مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة   مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة



F

GMT 06:47 2017 الخميس ,29 حزيران / يونيو

تكون "كوزموبوليتان لاس فيغاس" من 2،995 غرفة وجناح
  مصر اليوم - تكون كوزموبوليتان لاس فيغاس من 2،995 غرفة وجناح

GMT 07:45 2017 الخميس ,29 حزيران / يونيو

حي مايفير يتميز بالمباني الكلاسيكية في لندن
  مصر اليوم - حي مايفير يتميز بالمباني الكلاسيكية  في لندن
  مصر اليوم - التايم تطلب من ترامب إزالة أغلفة المجلة الوهمية
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -

GMT 06:21 2017 الخميس ,29 حزيران / يونيو

نصائح مهمة لطلبة الحقوق لأداء مرافعة ناجحة
  مصر اليوم - نصائح مهمة لطلبة الحقوق لأداء مرافعة ناجحة
  مصر اليوم - المتنافسات على لقب ملكة جمال انجلترا في سريلانكا

GMT 18:00 2017 الثلاثاء ,09 أيار / مايو

ماغي فرح توضح توقعاتها لمواليد برج الثور في 2017
  مصر اليوم - ماغي فرح توضح توقعاتها لمواليد برج الثور في 2017

GMT 06:53 2017 الخميس ,29 حزيران / يونيو

"أستون مارتن DB11 " تحوي محركًا من طراز V8
  مصر اليوم - أستون مارتن DB11  تحوي محركًا من طراز V8

GMT 07:28 2017 الأربعاء ,28 حزيران / يونيو

"أستون مارتن" تكشف عن اقتراب إنتاج سيارتها "رابيدE"
  مصر اليوم - أستون مارتن تكشف عن اقتراب إنتاج سيارتها رابيدE

GMT 03:21 2017 الثلاثاء ,27 حزيران / يونيو

هند صبري تُعرب عن سعادتها لنجاح مسلسل "حلاوة الدنيا"
  مصر اليوم - هند صبري تُعرب عن سعادتها لنجاح مسلسل حلاوة الدنيا

GMT 06:43 2017 الأربعاء ,28 حزيران / يونيو

اكتشاف نوعًا جديدًا من الببغاوات في المكسيك
  مصر اليوم - اكتشاف نوعًا جديدًا من الببغاوات في المكسيك

GMT 05:55 2017 الثلاثاء ,27 حزيران / يونيو

العثور على جدارية صغيرة لحلزون نحتها الأنسان الأول

GMT 03:43 2017 الأربعاء ,28 حزيران / يونيو

استخدام المغناطيس لعلاج "حركة العين اللا إرادية"

GMT 05:45 2017 الثلاثاء ,27 حزيران / يونيو

فنادق "ريتز كارلتون" تعلن عن تصميمات ليخوت فاخرة
  مصر اليوم -
  مصر اليوم -
 
 Egypt Today Facebook,egypt today facebook,مصر اليوم الفيسبوك  Egypt Today Twitter,egypt today twitter,مصر اليوم تويتر Egypt Today Rss,egypt today rss,مصر اليوم الخلاصات  Egypt Today Youtube,egypt today youtube,مصر اليوم يوتيوب Egypt News Today,egypt news today,أخبار مصر اليوم
egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon